عند النقطة التي ينتهي فيها حي بنزو في أقصى غرب سبتة المحتلة، لا تفصل عن قرية بليونش المتاخمة سوى مسافة قصيرة وواد ضحل وسياج معدني يقطّع الأفق.
مشهد لا يبدو غريبا في الخرائط، لكنه يختزل في الميدان قطيعة طويلة الأمد بين مجالين عاشا تاريخا مشتركا، ومجتمعا كان في ما مضى يتحرك بلا إذن ولا عوائق.
تحت ظل جبل موسى، الذي يشرف على الضفتين، تقف الطبيعة شاهدة على هذا الفصل الصامت. منازل مبنية بالحجارة ذاتها، لكنة جبلية واحدة، وعادات لا تزال متشابهة، رغم ما فرضته الأسلاك من عزلة تدريجية. في بنزو، يتداول الناس أسماء الأسر في بليونش كما لو أنهم جيران قريبون، لكن “لا أحد يعبر، ولا شيء يصل”.
لم يكن واد بنزو في الأصل سوى ممر مائي صغير يفصل بين منطقتين متداخلتين في الجغرافيا والذاكرة، قبل أن يتحول بفعل إجراءات مشددة إلى نقطة تماس مغلقة.
ويقول أحد سكان الحي: “في الماضي كنا نذهب مشيا على الأقدام لشراء الخبز من بليونش، واليوم لا نعرف وجوه أهلها”.
منذ سنوات، توقفت الزيارات، وتعقدت إمكانيات التواصل، وبدأت المسافة القصيرة تتحول إلى هوة اجتماعية متنامية. المدارس التي جمعت أطفال الجانبين ذات يوم أصبحت ذكريات، والأسواق التي كانت تستقطب المتبضعين من كل جهة باتت منعزلة. لم تعد المناسبات تمر دون أن تحضر مفردات الحنين، ليس من منطلق سياسي، بل بفعل تقاليد مقطوعة ووشائج اجتماعية تآكلت بصمت.
رغم كل ذلك، لا تصدر عن الأهالي خطابات موجهة، فهم يعيشون يومياتهم ضمن إكراهات معلومة، يختارون التكيف مع المعطى القائم، لكنهم لا يخفون شعورا دفينا بأن شيئا ما فُقد في الطريق.
تقول فتيحة، وهي سيدة ستينية: “كلما نظرت إلى الجبل، أشعر أن الجهة الأخرى جزء من حكايتنا، لكنها باتت بعيدة”.
وضع بنزو وبليونش، وإن كان خاصا في الشمال المغربي، إلا أنه يعيد إلى الأذهان تجربة مدينة نيقوسيا القبرصية، حيث فصل جدار مدينة واحدة إلى شطرين يعيشان في سياقين مختلفين.
غير أن المفارقة في الحالة المغربية تكمن في أن هذا الفصل لا يستند إلى أي شرعية سيادية، إذ تعتبر سبتة مدينة مغربية محتلة، وكل ما حولها امتدادا ترابيا طبيعيا للوطن.
وصف الشريف الإدريسي لبليونش بأنها “جنة الله في أرضه” ما زال حاضرا في أذهان من تتبعوا سيرة القرية، خاصة أولئك الذين نشأوا على روايات تؤكد أن أمراء الأندلس قصدوا هذه الربوع طلبا للسكينة. في تلك الحقبة، لم تكن هناك أسوار، بل كانت الأرض متصلة، والناس يعبرون كما تعبر الرياح.
واليوم، صار الصوت لا يصل، وصار العبور مقيدا، وتحول المجال الواحد إلى مجالين تحكمهما ترتيبات أمنية لا تعكس طبيعة العلاقة بين السكان.
وتضيف فتيحة: “نطبخ في بيتنا أكلات نجدها في بيوت بليونش، نحتفل بالمواسم نفسها، لكننا لم نعد نلتقي. كأننا فقدنا نصف ذاكرتنا”.
في بنزو، لا تزال اللهجة المغربية الشمالية واضحة، والمناسبات الدينية تحضر بنفس الطقوس، لكن ما جمع بين الجانبين طويلا أصبح اليوم موزعا بين الماضي والحنين، وبين صمت مفروض لا تسمعه سوى الأرض.
تحولت الحكايات إلى ذكريات، وأصبحت أسماء القرى المجاورة تتداول بحذر، لا لأنها محظورة، بل لأنها غابت عن تفاصيل الحياة اليومية. وبينما تحافظ الطبيعة على وحدة شكلها، تستمر العزلة في تفكيك ما تبقى من روابط، في انتظار زمن تعود فيه الروابط أقوى من الأسلاك، وأقرب من كل المسافات المفروضة.







