في لحظات الانزياح، حين يتراجع المعنى وتنتفخ القشور، تُفتح أبواب الجماعات أمام وجوه لا ظل لها في الذاكرة السياسية ولا أثر لها في تاريخ الحيّز العام.
وجوه لم يسبق أن دافعت عن قضية، أو ناقشت ميزانية، أو وقفت يوماً في مواجهة انحراف. كل ما أتقنته هو فن التسلل: إلى اللوائح، إلى الصور، إلى مواقع القرار. لا خلفية نضالية، لا ثقافة مؤسساتية، لا شعور بثقل التمثيل. فقط شهية مفتوحة، واندفاع هجين نحو غنيمة اسمها “كرسي منتخب”.
“من الزبالة للطيفور”. لا كمبالغة شعبية، بل كتوصيف دقيق لتحولات ما بعد 2021، حين صار المجال مفتوحا على مصراعيه لمن لا يفرّق بين لجنة الشؤون المالية ولجنة المرافق، بين جدول الأعمال وجدول الريع.
لا شيء يُشترط سوى بطاقة انتخابية، ولائحة حزبية تبحث عن التكميل، ومصادفة جغرافية تقرّبك من موقع النفوذ. حينها تصبح المجالس المحلية ملعبا للغرائز، حيث تُمنح التوقيعات مقابل الولاءات، وتُمرّر المشاريع تحت الطاولة، ويصير صوت الناخب سلّما يصعد عليه من لا يعرف حتى أبجديات التدبير الجماعي.
لا يتعلق الأمر بعودة أسماء مألوفة، بل بصعود كائنات انتخابية بلا ذاكرة ولا ضمير مؤسسي، بعضها لم يكن يحلم حتى بتوقيع وثيقة إدارية، فوجد نفسه يترأس لجاناً، ويُستشار في العمران، ويُقرر في مصير الأحياء. كائنات تتغذى على ضعف الرقابة، وتتمدّد داخل هشاشة الأحزاب، وتزدهر حين تصمت السلطات.
هم أيضا الوجه القبيح لخطابٍ جميل عن “تشبيب الحياة السياسية” و”ضخ دماء جديدة”. لقد تم تحويل هذا الشعار إلى ذريعة لتسويق الرداءة باسم الشباب، وكأن القرب من جيل الهواتف الذكية يكفي لصناعة منتخب رشيد.
شباب بلا بوصلة، بلا تجربة، بلا انخراط سابق، اعتلوا مواقع القرار المحلي كأنها منصة سريعة لمراكمة الثروة أو تسديد الفواتير القديمة.
ومن فرط المسخ، صرنا نترحّم على جيل “الكائنات الانتخابية” التقليدية، رغم كل ما عُرف عنها من أعطاب، لأنها على الأقل كانت تدرك قواعد اللعبة.
ومع ذلك، وسط هذا الركام، تبرز وجوه صادقة، تعمل في صمت، وتتشبث بخيط المعقول وسط دوامة التهافت. لم ترفع شعارات، ولم تتوارَ خلف القوانين، بل اختارت أن تُحسّن ما يمكن تحسينه، دون أن تُزايد على أحد. تلك النماذج تُحتَرم، لا لأنها مثالية، بل لأنها رفضت السقوط في مستنقع السائد، وفهمت أن المسؤولية ليست امتيازاً، بل امتحان يومي.
أما القضايا المثارة هنا وهناك، فليست حُكماً على الأشخاص، بل إشارات إلى أزمة أعمق: أزمة تزكية، أزمة رقابة، أزمة إدراك لمعنى التمثيلية.
ملف أحمد الزكاف – كغيره – لا ينبغي أن يُستعمل لا كأداة للجلد ولا كوسيلة للتبرئة، فالقضاء وحده من يملك الكلمة الفصل، وكل انزلاق في الاتهام المسبق أو الدفاع الأعمى هو خيانة للقانون وللرأي العام معا.
لكن مجرد وصول منتخب محلي إلى هذا المستوى من المساءلة، يكشف أن منظومة الترشح والفرز قد أصيبت بعطب بنيوي، لا يكفي الصمت المؤسسي لتجاوزه.
أمّا عن التماسك والتحالفات والتمريرات بالإجماع، فكل ذلك لا يُغني عن الحقيقة الأثقل: أن المجالس اليوم تُدار بالحد الأدنى من المعنى، وبالحد الأقصى من التوافقات الظرفية. لا أحد يجرؤ على فضح الرداءة من الداخل، لأن الجميع في حاجة إلى الجميع، لا لتسيير المدينة، بل لضمان البقاء في مواقعهم.
وعلى مشارف دورة انتخابية جديدة، لا وقت للمجاملات، ولا مجال للتفاؤل المجاني. ما نحتاجه ليس فقط مراجعة النصوص، بل تطهير الفِكر الانتخابي من منطقه الغنائمي.
ما نحتاجه هو كسر هذه القاعدة السامة التي تجعل من الترشح إلى الجماعة طريقا مختصرا إلى الرفاه الشخصي. فالجماعة، بكل اختلالاتها، لا تزال الأمل الأخير في استعادة شيء من الثقة.
وأما “الطيفور”، مهما بدت نعومته، فلا يصنع شرعية ولا يضفي على صاحبه مقاما، بل قد يكون شاهدا آخر على انهيار السياسة في مستواها الأدنى. والانهيار يبدأ دائما بكائن مغمور يعتقد أن الصمت من حوله علامة رضا.







