كثير من الآليات القانونية التي أُدرجت منذ أكثر من عقد وُضعت لتمكين المواطن من المشاركة، ولو من باب التدرج.
النصوص، وإن لم تكن مثالية، تتيح مساحات للفعل لمن أراد أن يتحرك. العرائض، الملتمسات، حضور الهيئة، الشكايات، مذكرات المجتمع المدني، تقارير المجالس… كلها آليات ليست محصنة من الأعطاب، لكنها كافية لأن تبدأ المعركة من داخلها، لا من خارجها.
ورغم هذا، لا تزال العلاقة بين المواطن والمؤسسة قائمة على الحذر والتردد، إن لم نقل التواطؤ الضمني على الصمت.
المواطن لم يعد يُقصى كما في السابق، بل يُعرض عليه أن يكون طرفا، لكنه يرفض. لا يطلب الوثائق، لا يحضر الجلسات، لا يوقّع العرائض، لا يراجع تقارير الجماعة. وحين يُسأل، يُحمّل المسؤولية للمجالس، وكأن المشاركة لا تعنيه إلا عندما يُدعى إليها برسالة خاصة.
في مدينة كطنجة، حيث تحتدم الإشكالات الحضرية والاجتماعية، وحيث تتكرر الشكاوى من ضعف التأطير المحلي، لم يتلقَّ قسم الشؤون الاجتماعية والثقافية والرياضية والعلاقة مع المجتمع المدني سوى بضع عرائض منذ بداية الولاية الانتدابية. وهذا ليس لأن القضايا نادرة، بل لأن من يشتكونها لا يرون أنفسهم ملزمين بتحويل التذمر إلى فعل مؤطر. الانتقاد حاضر، لكن الاقتراح غائب. الغضب يومي، لكن الضغط منظم نادر.
في العمق، نحن أمام ثقافة مستقرة: ثقافة انتظار الآخر ليفعل عنا، ليتكلم عنا، ليتحمل عنا ثقل المبادرة. نُحمّل الصحافي والفاعل والجمعوي والمنتخب المستقيل كل طاقاتنا المؤجلة، نراقبه من بعيد، نكتب له رسائل التشجيع، ونطلب منه أن يستمر، ثم ننسحب. فإن تعثر، لُمناه. وإن صمد، صفقنا له حتى الإنهاك.
هذه الثقافة، التي تبدو بريئة في ظاهرها، تُنتج في العمق مشهدا هشا، حيث لا أحد يقاتل عن قناعة، بل عن إنابة. وفي كل مرة ترتفع أزمة، أو يُطلب موقف واضح، ترتد في خلفية المشهد عبارة واحدة، تختزل كل شيء: “اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون.”
ليست مجرد جملة في قصة قديمة، بل وعي يتكرر كلما دُعينا للمشاركة وتراجعنا خطوة إلى الوراء. ثمة ما يشبه الإجماع الضمني على الاكتفاء بالمتابعة: الكل يرى، الكل يعلّق، لكن القليل فقط يعتقد أن عليه أن يكون جزءًا من الفعل.
ومع مرور الوقت، لا يعود الغياب مجرد رد فعل عابر، بل يتحول إلى قاعدة سلوكية تبرّر نفسها تلقائيًا. من لا يطلب تقريرا، لا يتوقع أن يصدر. ومن لا يسائل هيئة، لا ينتظر أن تشتغل. ومن لا يجرّب توقيع عريضة، لا يعرف كيف يُبنى الضغط. ومن يُسلّم بأن المشاركة لا جدوى منها، لا يستغرب حين يُدار كل شيء من دونه.
لسنا أمام عزوف ساذج، بل أمام قناعة استقرت بهدوء: أن الشأن العام شأن الغير، وأن الأفضل البقاء في الظل، حيث لا مسؤولية، ولا مساءلة.
هذه ليست دعوة للتصفيق للمجالس، ولا دفاعًا عن مؤسسة، بل تذكير بأن الجمود الذي ننتقده في الأداء الجماعي، كثيرا ما يُغذيه غيابنا الطوعي. الحقوق لا تُمارس عن بعد، ولا تُنتج بالتذمر، بل تبدأ من فعل بسيط: الحضور، ولو بالصوت، ولو بالسؤال، ولو بالإلحاح.
أما أولئك الذين يختارون كل مرة أن يُعيدوا الجملة نفسها، في سرّهم أو عبر منشوراتهم العابرة، فهم لا يرفضون الواقع، بل سلّموا له، ورضوا بالجلوس في الخلف.







