مع حلول العشرين من أكتوبر، تعود الذاكرة التاريخية لمدينة طنجة إلى سنة 1956، حين احتشد الآلاف من سكان المدينة في ساحاتها وشوارعها احتفالًا بعودتها إلى السيادة المغربية، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الخضوع لنظام دولي خاص أقرته اتفاقية باريس سنة 1923، وجعل من طنجة منطقة منفصلة قانونيًا عن باقي التراب الوطني.
ولم يكن ذلك اليوم إعلانا قانونيا بقدر ما كان لحظة رمزية استعاد فيها المغاربة شعورهم بوحدة الوطن، قبل أن يُتوج الحدث بعد تسعة أيام، بإصدار الظهير الملكي المؤرخ في 29 أكتوبر، الذي أنهى الوضع الدولي رسميا، وضم المدينة إداريا وقانونيا إلى المجال الترابي للمملكة.
ومنذ سنة 1923، خضعت طنجة، لنظام دولي متعدد الأطراف أشرفت عليه فرنسا وإسبانيا وبريطانيا، ثم لاحقا دول أوروبية أخرى، عبر لجنة مراقبة ومحاكم مشتركة وبرلمان محلي، فيما اقتصر الحضور المغربي على مندوب سلطاني بصلاحيات محدودة.
ورغم هذا الترتيب المؤسسي، احتفظت المدينة بارتباطها الرمزي بالمغرب، حيث استمر رفع الدعاء للسلطان في المساجد، وظلت الأسواق تتعامل باللكنة المغربية، في وقت أكد فيه الملك محمد الخامس في خطابه الشهير من طنجة سنة 1947 أن “البلاد المغربية واحدة لا تتجزأ”.
وبعد إعلان استقلال المغرب في مارس 1956، دخلت المملكة في مفاوضات دبلوماسية لإلغاء الوضع الدولي المفروض على المدينة.
وقاد وزير الخارجية المغربي، أحمد بلافريج، هذه المرحلة بتشديده على أن السيادة على طنجة “ليست موضوعا للتفاوض، بل شأن داخلي مغربي”، وفق ما نصت عليه الوثيقة الرسمية لمؤتمر طنجة.
ودخلت القوات المغربية المدينة في الثامن من أكتوبر دون أي اعتراض أجنبي، في خطوة أنهت الوضع القائم ميدانيا، ثم تلاها تنظيم احتفال رسمي يوم 20 أكتوبر، حضرته شخصيات مدنية وسياسية وطنية، في مشهد جسد الاندماج الشعبي والسياسي للمدينة في محيطها الوطني.
ووفق وثائق أرشيفية نشرتها وزارة الخارجية الأميركية، فإن واشنطن اعتبرت منذ سنة 1945 أن “الوضع في طنجة لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية”، في اعتراف ضمني بأن المدينة تنتمي واقعيًا إلى المغرب.
كما صرح دبلوماسي بريطاني سابق بأن “طنجة لم تنقطع يوما عن جذورها، بل كانت تنتظر أن يُعاد وصلها”.
وفي تعليقها على صدور الظهير الملكي يوم 29 أكتوبر، كتبت صحيفة Le Monde الفرنسية أن “السلطات الفرنسية تعتبر الوضع الدولي قد استنفد مبرراته، وأن طنجة تلتحق بمحيطها الطبيعي”.
كما نقلت إذاعة RIAS الألمانية عن محللين قولهم إن “طنجة لم تغادر المغرب، بل فرض عليها أن تنتظر عودتها الرسمية”.
اكتمل الإدماج القانوني للمدينة بصدور ظهير ثان بتاريخ 17 أكتوبر 1959، أنهى الامتيازات الانتقالية، وجعل طنجة خاضعة بالكامل للمنظومة الإدارية المغربية بحلول ربيع 1960.
وقد لخص صحفي فرنسي هذا التحول في مقال أعادت نشره Tangier Gazette سنة 1961، بقوله: “طنجة التي كانت تدار بقرارات من باريس ولندن، باتت تدار من الرباط، كما كان يجب أن تكون منذ البداية”.
وتُعتبر ذكرى 20 أكتوبر محطة مفصلية في مسار استكمال السيادة الوطنية، إلى جانب استرجاع طانطان وسيدي إفني والصحراء المغربية، ضمن رؤية تأسست على وحدة التراب ورفض منطق التقسيم الدولي، كما جسدتها مواقف العرش والدبلوماسية المغربية في سنوات ما بعد الاستقلال.






