هناك مفارقة قاسية تعيشها طنجة اليوم، مفارقة تختزل أعطاب نموذج تنموي يسير بسرعتين متصادمتين. فمن جهة، تواصل عاصمة البوغاز ترسيخ موقعها كقاطرة صناعية ولوجستية للمملكة، جاذبة للرساميل العالمية ومحركة لآلاف فرص الشغل المباشرة.
ومن جهة أخرى، تقف المدينة عاجزة، أو ربما متغاضية، عن استيعاب التدفق الديموغرافي الهائل الذي تستدعيه هذه الآلة الإنتاجية، تاركة جيشا من الأجراء فريسة لسوق إيجار منفلت من أي عقال، ومحكوم بمنطق مضارباتي شرس.
لا يمكن لأي اقتصاد تنافسي أن يستدام حين يتحول السكن إلى “ثقب أسود” يبتلع القيمة المضافة التي ينتجها العمل.
إننا أمام معادلة حسابية واجتماعية مختلة بامتياز؛ فحين تستقر أجور الشريحة الأوسع من عمال المناطق الصناعية في حدود 3000 إلى 4000 درهم، وتقفز السومة الكرائية لشقة تضمن الحد الأدنى من الكرامة في هوامش المدينة إلى عتبة 3000 درهم، فنحن لم نعد نتحدث عن غلاء ظرفي.
انه استنزاف هيكلي يحيل الأجير إلى مجرد قنطرة تعبر من خلالها الثروة من أبواب المصانع إلى الحسابات البنكية لملاك العقار. فقد تجاوزت أسعار الإيجار كل الحدود المعقولة، لتتحول من خدمة سكنية إلى ضريبة قسرية تُفرض على حق التواجد في المجال الحضري.
ليس من الإنصاف، ولا من الموضوعية، تبني خطاب عدمي ينكر وجود سياسات عمومية أو برامج حكومية. الدولة أطلقت بالفعل أقطابا حضرية جديدة ومشاريع ضخمة للسكن الاقتصادي والاجتماعي لمحاولة امتصاص الصدمة الديموغرافية.
انه استنزاف هيكلي يحيل الأجير إلى مجرد قنطرة تعبر من خلالها الثروة من أبواب المصانع إلى الحسابات البنكية لملاك العقار.
لكن الخلل الجوهري يكمن في البوصلة الاستراتيجية لهذه التدخلات؛ فهذه البرامج ركزت تاريخياً على تشجيع ثقافة “التمليك” عبر تحفيزات ضريبية للمنعشين العقاريين، بينما تجاهلت تماما تنظيم وتأطير قطاع “الكراء”، الذي يشكل الملاذ الأول، وربما الدائم، للطبقة العاملة الوافدة.
والنتيجة الحتمية هي أن المبادرات الرسمية تظل بطيئة وأقل بكثير من وتيرة استقطاب المدينة لآلاف العمال الجدد سنوياً، مما يترك فراغاً مميتاً يستغله السماسرة وتجار الأزمات.
لقد أفرزت هذه الفوضى التنظيمية تسليعا بشعا للمدينة. فالتوجه الاستثماري المكثف نحو الكراء السياحي قصير الأمد، طمعا في المردودية السريعة والآمنة، أدى إلى تجفيف العرض السكني الموجه للإيجار السنوي. هذا الانكماش في العرض، في مواجهة طلب يتضاعف باطراد، خلق حالة من “الفصل السوسيو-مجالي”؛ حيث تُدفع الفئات العاملة قسراً نحو ضواحي تفتقر للخدمات الأساسية، وتُفرض عليها تكاليف تنقل مضاعفة، مما يقتل أي قدرة متبقية على الاستهلاك المحلي أو الادخار.
الاستمرار في فتح أبواب طنجة لمزيد من الاستثمارات الصناعية دون مرافقة ذلك بتخطيط حضري يضمن توفير عرض إيجاري مدعم ومقنن، هو رهان محفوف بالمخاطر يهدد السلم الاجتماعي.
إن الاستمرار في فتح أبواب طنجة لمزيد من الاستثمارات الصناعية دون مرافقة ذلك بتخطيط حضري يضمن توفير عرض إيجاري مدعم ومقنن، هو رهان محفوف بالمخاطر يهدد السلم الاجتماعي. التنافسية الاقتصادية لا تقاس فقط بالإعفاءات الضريبية الممنوحة للشركات متعددة الجنسيات، بل تقاس أساساً بالكلفة الاجتماعية للإنتاج. العامل المنهك مالياً ونفسياً تحت وطأة التهديد الدائم بالإفراغ، هو قنبلة موقوتة تهدد المردودية الصناعية التي تتباهى بها المدينة.
حان الوقت لكي تتحمل السلطات العمومية مسؤوليتها الضبطية. الأمر يتطلب شجاعة سياسية للخروج من مقاربة “دعه يعمل، دعه يمر” في قطاع العقار، عبر إرساء ترسانة قانونية تسقف أسعار الكراء بناءً على مؤشرات سوسيو-اقتصادية دقيقة، وتحفز الاستثمار المؤسساتي في بناء أحياء سكنية مخصصة حصرياً للإيجار الميسر.
طنجة ليست مجرد منطقة حرة للتصدير؛ إنها مدينة يجب أن تتسع بكرامة لمن يبنون مجدها الاقتصادي، قبل أن يختنق هذا المجد تحت وطأة جشع العقار.







