تواجه شريحة واسعة من الأسر المغربية ضغوطا مالية متزايدة مع انقضاء الأيام العشرة الأولى من يونيو، بعد أن خلف قرار تسبيق صرف أجور ومعاشات شهر ماي، لمواجهة تكاليف عيد الأضحى، فجوة زمنية أطول من المعتاد بين دخلين شهريين.
وتحول الإجراء، الذي استهدف توفير سيولة فورية قبل العيد، إلى عبء مؤجل على ميزانيات منزلية محدودة الهامش، بعدما صرفت أسر كثيرة جزءا كبيرا من مداخيلها في اقتناء الأضحية، والتنقل، والمواد الغذائية، ومصاريف الاستقبال العائلي.
وكانت الحكومة قد صرفت أجور موظفي وأجراء القطاع العام في 20 ماي، قبل أسبوع من عيد الأضحى الذي حل هذه السنة يوم الأربعاء 27 ماي.
وبالموازاة مع ذلك، بادر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى صرف معاشات التقاعد والعجز وتلك الخاصة بالمتوفى عنهم قبل 23 ماي، في إجراء شمل أكثر من 850 ألف مستفيد.
وأفرز هذا التسبيق، الذي نقل موعد الراتب من نهاية ماي إلى أسبوع العيد، فراغا ماليا أطول، ليتحول يونيو في يوميات موظفين وأجراء إلى شهر بأربعين يوما عوض ثلاثين، في إشارة إلى المسافة الزمنية غير المعتادة بين صرف راتب ماي مبكرا وانتظار راتب يونيو في موعده العادي.
ورغم أن أسر كثيرة تعاملت مع التسبيق كمتنفس موسمي ضروري في ظرف يتسم بارتفاع النفقات، فإن المأزق الفعلي برز بعد انقضاء العيد، حين تحولت السيولة التي ضخت دفعة واحدة في السوق إلى ضغط يومي على ميزانيات منزلية تعاني أصلا من ضعف الادخار وتآكل القدرة الشرائية.
وتعكس المؤشرات الرسمية حجم هذه الهشاشة المالية. فحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط برسم الفصل الأول من سنة 2026، صرحت 59,9 في المئة من الأسر بأن مداخيلها تغطي مصاريفها، مقابل 37,5 في المئة قالت إنها استنزفت مدخراتها أو لجأت إلى الاقتراض، فيما لم تتجاوز نسبة الأسر القادرة على ادخار جزء من دخلها 2,5 في المئة.
كما أظهرت المعطيات ذاتها أن 75,1 في المئة من الأسر سجلت تدهورا في مستوى المعيشة خلال الأشهر الاثني عشر السابقة، بينما اعتبرت 66,9 في المئة أن الظروف غير مواتية لاقتناء سلع مستديمة. وهي مؤشرات تفسر تحول تسبيق الراتب، بالنسبة إلى جزء من الأسر، من حل فوري إلى عامل ضغط مؤجل.
وعلى مستوى الأسواق، أحدث ضخ الأجور المبكر صدمة طلب مؤقتة أنعشت القطاعات الموسمية المرتبطة بالعيد، خصوصا سوق الأضاحي والمواد الاستهلاكية والنقل والخدمات العائلية.
غير أن المسار المعاكس بدأ بعد انقضاء المناسبة، مع تراجع السيولة المتاحة داخل البيوت وانكماش قرارات الشراء خلال الأسابيع التالية.
وتبدو الفئات ذات الدخل المحدود الأكثر تعرضا لهذا الأثر، لغياب هامش مالي يتيح توزيع نفقات العيد على فترة أطول. فالأضحية، ومصاريف التنقل بين المدن، ومتطلبات الضيافة، تشكل كلها نفقات موسمية تلتهم جزءا كبيرا من الراتب، لاسيما مع تزامن العيد مع بداية موسم الصيف واقتراب مصاريف العطلة والدخول المدرسي لاحقا.
وفي هذا السياق، تعتبر مصادر نقابية أن تسبيق الأجور يسلط الضوء مجددا على هشاشة المنظومة الأجرية، مبرزة أن الإجراء عالج ضغط العيد بنقل موعد الصرف بدل تحسين الدخل.
وتضطر أسر تفتقر إلى الادخار الكافي، بعد المناسبات الكبرى، إلى الاقتراض من البنوك أو شركات التمويل أو المحيط العائلي لتغطية مصاريف الحياة اليومية.
وتتقاطع هذه القراءات مع الإحصائيات الرسمية لبنك المغرب، حيث بلغ الدين البنكي للأسر 426,9 مليار درهم بنهاية سنة 2024، موزعا أساسا بين قروض السكن والقروض الاستهلاكية.
وإلى غاية نونبر 2025، ناهزت القروض الموجهة إلى الأسر والمؤسسات غير الهادفة للربح في خدمة الأسر 414,3 مليار درهم، من بينها حوالي 61,4 مليار درهم كقروض استهلاكية.
ولا يعد تسبيق الأجور سببا مباشرا لهذه المديونية، لكنه يكشف نمطا أوسع في تدبير الميزانيات المنزلية، يقوم على دخل شهري محدود، ومصاريف قارة مرتفعة، ومناسبات موسمية مكلفة، وقدرة ضعيفة على الادخار.
وفي هذا السياق، يصبح الراتب المبكر مسكنا ماليا قصير المدى، لا يعالج الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
ومع تقدم شهر يونيو، لم يعد النقاش منصبا فقط على دور تسبيق الأجور في تخفيف ضغط العيد، بل على الثمن الاجتماعي الذي تدفعه الأسر في الشهر التالي.
ففي حين ساعد القرار على عبور مناسبة دينية مكلفة، ترك آلاف الأسر أمام حسابات أكثر تشددا، بين تقليل الاستهلاك، وتأجيل النفقات، أو اللجوء إلى الاقتراض.
ويعيد عيد الأضحى طرح إشكالية القدرة الشرائية من زاوية عملية ملموسة. فالأسر التي احتاجت إلى راتب مبكر لتمويل مناسبة واحدة، تواجه اليوم شهرا أطول من دخلها، في انتظار نهاية يونيو، بما يؤكد أن التحدي لا يكمن في توقيت صرف الأجر فحسب، بل في مدى كفايته أمام نفقات باتت تتجاوز الإيقاع العادي للدخل الشهري.







