بقلم : حمزة الحساني
لا يمكن الحديث عن الجغرافيا السياسية والاقتصادية للمملكة المغربية الشريفة اليوم، دون التوقف بإجلال واحترام عند إقليم “فحص أنجرة”؛ فهذه الرقعة الجغرافية ليست مجرد نقطة على خريطة الشمال، بل هي البوابة الاستراتيجية للمغرب، وأرض ارتبط اسمها عبر التاريخ بالجهاد والعلم والبركة؛ واليوم، يتجدد هذا العطاء لتشكل هذه القبيلة المباركة “فتحاً” اقتصادياً حقيقياً للوطن، باحتضانها لأضخم المشاريع الوطنية والقارية، وعلى رأسها الميناء المتوسطي وشركة “رونو” لصناعة السيارات، وغيرها من الاستثمارات التي جعلت من الإقليم قطب رحى الاقتصاد الوطني.
لكن، وأمام هذه الصورة المشرقة والمشاريع العملاقة التي تلامس عنان السماء، تصطدم العين الفاحصة بمفارقة تنموية صارخة، وتطرح سؤالاً جوهرياً يفرض نفسه على طاولة النقاش العام: هل يمتلك إقليم فحص أنجرة النخبة السياسية التي تستحقها هذه المرحلة التاريخية؟
إن المتابع للشأن المحلي في فحص أنجرة يدرك حجم البون الشاسع بين سرعة المشاريع الملكية الكبرى، وبطء عجلة التنمية المحلية التي تقع على عاتق المجالس المنتخبة والمسؤولين المحليين؛ فالإقليم الذي يدر المليارات على خزينة الدولة، لا يزال ساكنته تكابد مشاكل عويصة لا تتناسب مع حجم ثروته المجالية.
ومن أبرز هذه المفارقات، العزلة الرقمية التي يعاني منها الإقليم والمتمثلة في ضعف صبيب الإنترنت والتغطية لشبكة الهاتف، في وقت يتجه فيه العالم نحو الرقمنة الشاملة؛ يضاف إلى ذلك، استمرار ضعف الشبكة الطرقية الداخلية التي لا ترقى لمستوى إقليم يحتضن أكبر ميناء في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.
ولعل الجرح الأعمق بالنسبة لساكنة فحص أنجرة، هو المفارقة المتعلقة بفرص الشغل؛ ففي الوقت الذي توفر فيه المشاريع الكبرى آلاف الوظائف، يجد أبناء الإقليم أنفسهم على هامش هذه الدينامية، ولا يستفيدون من مناصب الشغل بالكمية الكافية واللائقة.
كما يعاني المواطن البسيط من الغلاء الفاحش والتعقيدات المجحفة في أبسط حقوقه، حيث تحولت مسطرة الحصول على رخص البناء إلى كابوس مالي يتجاوز عتبة الـ 40000 درهم، وهو مبلغ باهظ وغير مبرر بتاتا في وسط قروي بامتياز؛ ولا يقف نزيف الجيوب عند هذا الحد، بل يمتد لرسوم الربط بشبكتي الماء والكهرباء التي تقارب أو تتجاوز سقف الـ 10.000 درهم، والمفارقة المبكية المضحكة أن هذه التكلفة الخيالية تترافق مع انقطاعات متتالية ومستمرة للتيار والماء، مما يحرم الساكنة من أبسط شروط العيش الكريم.
وتبرز “قرية واد اليان” كنموذج صارخ ومؤلم لهذا العبث التدبيري؛ فهذه القرية تُفرض على ساكنتها ضرائب النظافة، وتُستخلص منهم رسوم “الأراضي العارية” عند الشروع في البناء، في مفارقة تدبيرية عجيبة تُلزم المواطن بأداء واجبات لخدمات شبه وهمية، إذ أن القرية بأكملها لا تتوفر أصلاً على أي شبكة للصرف الصحي! فكيف يُعقل أن يدفع المواطن القروي ضرائب حضرية في غياب تام لأبسط البنيات التحتية الأساسية؟
هذا الواقع المعقد يسلط الضوء مباشرة على الفاعل السياسي المحلي؛ إن المرحلة الراهنة، بما تحمله من تحديات وفرص، لم تعد تقبل بالسياسة التقليدية أو بالمسؤول الذي يكتفي بتدبير الأزمات؛ فحص أنجرة بحاجة ماسة إلى سياسيين من طينة خاصة، أقوياء تكويناً وخُلقاً، يمتلكون الرؤية الاستراتيجية والقدرة الترافعية للدفاع عن حقوق الساكنة وإدماجهم في محيطهم السوسيو-اقتصادي؛ الإقليم يستحق نخبة سياسية قادرة على التفاوض مع الشركات الكبرى لفرض “كوطا” تشغيلية لأبناء المنطقة، وقادرة على تصحيح الاختلالات الضريبية والإدارية المجحفة في حق القرى.
إن جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، قد حذر في خطاباته السديدة من خطورة تكريس “مغرب السرعتين”؛ مغرب متطور يسير بخطى حثيثة نحو المستقبل، ومغرب آخر يعاني من التهميش وبطء التنمية؛ وما نراه في فحص أنجرة هو تجسيد دقيق لهذا التحدي، حيث تتجاور سرعة “التي جي في” والميناء المتوسطي مع بطء الإدارة المحلية وهشاشة البنية التحتية للقرى المجاورة.
ختاماً، إن إنصاف إقليم فحص أنجرة، هذه الأرض الطيبة التي أعطت للمغرب الكثير، يبدأ بفرز نخبة سياسية واعية بحجم الأمانة، تواكب السرعة التنموية الوطنية، وتقطع مع سياسات الترقيع؛ إن التنمية الحقيقية هي تلك التي تنعكس على مائدة المواطن، وفي جودة تعليمه، وسهولة تنقله، وتوفير خدماته الأساسية بأسعار معقولة، وحفظ كرامته، لكي نرتقي جميعاً بهذا الجزء الغالي من الوطن إلى أفق يرضي الله، والوطن، والملك.







