أمام بوابة مكتبة مسجد “طارق بن زياد” في طنجة، كان الطفل عبد الواحد يختلس النظر إلى الداخل بشيء من التوجس. ففي تلك السنوات التي شحت فيها الكتب وعزّت على جيوب الصغار، لم يكن دخول المكتبة أمرا يسيرا؛ إذ كان يقتضي أولا تجاوز نظرات الارتياب من القائمين على المكان، وأن يجيب عن سيل من الأسئلة لتبرير هذا الشغف، درءا لتهمة “الشغب الصبياني” الجاهزة دائما في وجه الأطفال.
رغم تلك الصرامة، ظلت اللحظات القليلة التي يسمح فيها بتخطي عتبة الباب محفورة في ذاكرة ذلك الطفل، الذي سيصبح لاحقا الكاتب والروائي الطنجاوي عبد الواحد استيتو. يستعيد استيتو اليوم تلك التجربة قائلا: “كان الأمر أشبه بدخول عالم من المتعة والمعرفة، وسط ذلك الصمت المهيب ورائحة الكتب، ولذة الاطلاع على عوالم لم يسبق لنا معرفتها من قبل”.
تلك الرهبة التي رافقت خطواته الأولى لم تكن منفصلة عن قيمة الكتاب نفسه. ففي زمن لم تكن فيه مصادر المعرفة متاحة بضغطة زر، كان العثور على مؤلف يصعب اقتناؤه حدثا استثنائيا في حياة أي قارئ ناشئ. هكذا، ورغم أن المكتبة وفرت نافذة لاكتشاف عوالم بعيدة، إلا أن شروط ولوجها ظلت جزءا من تجربة القراءة، بما تحمله من إغراء وصعوبة في آن واحد.
على النقيض من تلك الصورة الصارمة، وفي زاوية أخرى من المدينة بداية التسعينيات، كانت المكتبة العمومية تكشف عن وجه آخر أكثر رحابة. هناك، وقبل أن يرسخ اسمه كأحد الوجوه الفاعلة في المشهد الثقافي للمدينة، وجد الشاعر أحمد فرج الروماني ملاذا يغذي هوسه بالشعر واهتمامه بكتب الفكر الإسلامي، حيث اعتاد التردد على مكتبة “عبد الله كنون”، غافلا عن أسماء الكتاب والمثقفين، وغير مدرك أن هذه الجدران تخفي حياة تنبض باللقاءات الأدبية، إلى أن قادته الصدفة ذات يوم لالتقاط حديث عابر لمدير المكتبة الراحل، عبد الصمد العشاب، وهو يدعو أحد معارفه لحضور ندوة فكرية.
قد لا تسعف ذاكرة الروماني اليوم في استعادة موضوع تلك الندوة، لكنه يتذكر جيدا حجم التحول الذي أحدثته في مساره. فمنذ ذلك الحين، تحول الشاب من قارئ صامت إلى متتبع نهم للملصقات والإعلانات، يحرص على حضور فعاليات مكتبة “كنون” والمكتبة العامة بشارع الحرية. ولم يمضِ الكثير من الوقت حتى غادر مقاعد الجمهور، ليصنع لنفسه موطئ قدم في تنظيم اللقاءات الأدبية رفقة أصدقائه ضمن “منتدى الفكر والثقافة والإبداع”.
هكذا تتقاطع في ذاكرة المدينة صورتان لمكان واحد؛ باب يتهيب الصغار طرقه، وفضاء يصنع من الشباب روادا للأدب. وما بين الصورتين تنبسط حكاية تمتد لما هو أبعد من الحنين لزمن الورق، لتروي مسار مؤسسات رافقت التمدد العمراني لطنجة؛ فتبدلت أسماؤها وتغيرت خرائطها، بين أبواب أُغلقت وأخرى شُيدت، لتشهد على تغير جذري في علاقة الجمهور بالكتاب.
ولأن طنجة، التي كانت تستقبل قارئها بالأمس عبر مكتبات قليلة، قد تمددت اليوم لتطوي أطرافها على أحياء ومناطق جديدة وتفرز مؤسسات ثقافية ممتدة، فإن السؤال لم يعد مقتصرا على مجرد رصد لحركة فتح وإغلاق المكتبات. بل إن اتساع المدينة يفرض مساءلة أعمق للواقع الفعلي: ما الذي ظل من هذه المؤسسات متاحا حقا لعموم الناس؟ أين استقر المطاف بالكتب والوثائق التي شكلت ذاكرتها؟ وكيف استجابت المشاريع الحديثة لانتظارات جيل جديد من القراء؟ أسئلة لا يمكن الإجابة عنها دون العودة أولا إلى الجذور، حيث تشكلت النواة الأولى لهذه الفضاءات.
من خزائن العلماء إلى مكتبات الأحياء
لم تكن المكتبات في طنجة وليدة المؤسسات الثقافية التي ظهرت بعد الاستقلال، ولا يمكن اختزال تاريخها في المباني التي حملت لافتات “المكتبات العمومية” خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فقبل أن تتشكل شبكة القراءة بمعناها الإداري الحديث، عرفت المدينة أشكالا متعددة لحفظ الكتب وتداولها، ارتبط بعضها بالمسجد الأعظم والتعليم الديني، وبعضها الآخر بخزائن الأسر العريقة، قبل أن تضيف التحولات السياسية مؤسسات أجنبية متعددة اللغات.
في هذا التاريخ المتداخل، لم تكن فرصة الاطلاع على الكتاب متاحة للجميع بالشروط ذاتها. فبين خزانة عالم، ومكتبة دينية لطلبة العلم، ومؤسسة دبلوماسية، ترتسم مسارات تفسر خصوصية طنجة. وفي مقال تاريخي نشره الباحث بدر العمراكي بجريدة طنجة في 18 ماي 2024، مستندا إلى ما أورده المؤرخ عبد الصمد العشاب، تحضر خزانة المسجد الأعظم ضمن أقدم خزانات الكتب التي عرفتها المدينة. إلى جانبها، احتفظت أسر علمية طنجاوية (مثل أسر كنون، اسكيرج، أكومي، وبن حساين) بخزائن غنية شكلت، رغم طابعها الخاص ومحدودية الولوج إليها، رافدا حيويا للحياة الفكرية المحلية.
مع دخول طنجة مرحلة الإدارة الدولية خلال القرن العشرين، أُضيفت طبقة جديدة لخريطتها المكتبية. فقد نشأت مجموعات وثائقية بلغات متعددة ارتبطت بالمؤسسات الدبلوماسية والدينية؛ غير أن هذا الثراء لم ينتج مؤسسة واحدة تجمع ذاكرة المدينة.
هنا تبرز المفارقة التي توقف عندها الباحث “جاومي بوفر” في دراسته المنشورة سنة 1996 بمجلة “Horizons Maghrébins”. فقد لاحظ أن طنجة، رغم ديناميتها المبكرة في النشر، افتقرت إلى مكتبة مركزية تحفظ إنتاجها المطبوع. هذا الفراغ أدى إلى تشتت الرصيد الوثائقي بين مؤسسات كـ”البعثة الكاثوليكية الفرنسيسكانية” و”المفوضية الأمريكية القديمة”، وهي فضاءات ضمت أرصدة تاريخية مهمة، لكن الاطلاع عليها ظل مقتصرا على الباحثين والمتخصصين.
ولم تكن المشكلة، وفق الدراسة، تتعلق فقط بتعدد أماكن حفظ الكتب، وإنما أيضا بغياب مؤسسة تتولى جمع المطبوعات والدوريات التي صدرت في طنجة خلال فترة نظامها الدولي. فقد ظلت أجزاء من ذلك الإنتاج خارج المجموعات التي احتفظت بها المكتبات الكبرى في الرباط وتطوان، فيما استقر جانب من الإنتاج اللاحق للاستقلال ضمن المؤسسات المعنية بالإيداع القانوني خارج المدينة.
وسط هذا المشهد، قدمت “المكتبة الإسبانية” تجربة مختلفة. فمنذ تأسيسها سنة 1941، خلال فترة خضوع طنجة للإدارة الإسبانية أثناء الحرب العالمية الثانية، وقبل أن تنتقل لاحقا إلى معهد ثيربانتيس، جمعت بين القراءة العامة وحفظ الذاكرة الوثائقية. انطلقت بنحو 1800 مجلد، وفتحت قاعاتها مجانا بأقسام متنوعة شملت قسما خاصا بالأطفال، حيث قدمت نموذجا مبكرا لمكتبة تستقبل عموم القراء، في وقت كانت فيه معظم الخزائن ترتبط بجماعات محددة.
في المقابل، سيبدأ الجمهور الواسع في تلمس طريقه نحو القراءة مع تطور المؤسسات المغربية بعد الاستقلال، حيث انطلق هذا المسار سنة 1958 بإحداث “المكتبة العامة” بشارع الحرية، التي ظلت لعقود مؤسسة مرجعية بقلب طنجة. غير أن التوفر على قاعات وكتب لم يكن يعني دائما اكتمال الخدمات؛ ففي تقرير ميداني نشرته المجلة المهنية الفرنسية “Bibliothèque(s)” سنة 2002، وُصفت مكتبة شارع الحرية بأنها فضاء يضم نحو 10 آلاف كتاب وقاعتي مطالعة، بطاقة استيعابية تقارب ستين مقعدا، لكنها كانت تفتقر إلى خدمة الإعارة الخارجية.
وهكذا، استقطبت أساسا الطلبة الباحثين عن مكان للمراجعة والاطلاع على المراجع، في وقت كانت فيه مؤسسات ثقافية أخرى، من بينها المعهد الفرنسي، تقدم خدمات الإعارة والوسائط المتعددة. ولم يكن هذا التفاوت في الخدمات مرتبطا بوجود الكتب فقط، بل باختلاف نماذج التدبير والتجهيز والموارد المتاحة للمؤسسات.
ويستحضر أحمد فرج الروماني تحولا آخر في استعمال الفضاءات التي احتضنت الحياة الثقافية بالمدينة، مشيرا إلى أن هذا المكان الذي شهد لقاءات أدبية نظمتها جمعيات محلية تحول لاحقا إلى رواق للفنون التشكيلية، ثم إلى متجر لمنتجات الصناعات اليدوية.
ومع التمدد العمراني لطنجة، لم تعد المكتبة المركزية قادرة على تلبية الحاجيات، فانتقلت شبكة القراءة نحو الأحياء، حيث يوثق دليل وزارة الثقافة إحداث مكتبة “القاضي العربي التسماني” سنة 1983 بشارع الحسن الأول بحي خوصافات.
أما النموذج الأبرز لانتقال خزانة علمية خاصة إلى فضاء مفتوح، فتجسد في “مكتبة العلامة عبد الله كنون”، حيث أهدى العالم المغربي مكتبته لخدمة الباحثين، لتفتح أبوابها رسميا سنة 1985 تحت إدارة عبد الصمد العشاب. وقد قدّر الباحث “جاومي بوفر” رصيدها في دراسته المنشورة سنة 1996 بنحو 12 ألف مجلد، معظمها باللغة العربية.
وتواصل إحداث المكتبات في الأحياء بظهور مكتبة “عبد الصمد كنون” سنة 1989، وصولا إلى مكتبة جمعية “درادب عين الحياني” سنة 2004، وذلك ضمن نماذج تدبير متعددة تداخلت فيها جهود الوزارة مع الجماعات المحلية والمجتمع المدني.
ومن داخل هذه الخريطة الرسمية، تتقاطع تواريخ التأسيس مع الذاكرة الحية؛ فالروائي عبد الواحد استيتو يستحضر مكتبة “بن عجيبة”، ليتذكر كيف شكلت، خلال الفترة التي عرفها فيها، ملاذا للتلاميذ، سواء للاطلاع أو المراجعة أيام الامتحانات. وبدوره، ينبش الشاعر أحمد فرج الروماني في ذاكرته ليستحضر فضاءات كـ”مكتبة الأوقاف” ومكتبة “بن عجيبة”، إلى جانب مكتبة أخرى ببني مكادة، وهي فضاءات طبعت جزءا مهما من ذاكرة القراءة في المدينة.
وتكشف هذه المعطيات عن شبكة مكتبية تشكلت عبر مراحل مختلفة، وتوزعت بين مؤسسات دينية وأجنبية وعمومية، قبل أن تمتد إلى بعض الأحياء السكنية. غير أن الأدلة التاريخية، على أهميتها، لا تقدم صورة مكتملة عن وضع هذه المؤسسات اليوم، أو عن حجم استفادة السكان منها. وللاقتراب من واقع القراءة العمومية في طنجة، تتيح الإحصاءات الحديثة نقطة انطلاق، وإن كانت بدورها تطرح أسئلة لا تقل تعقيدا.
ما الذي تقوله الأرقام؟
وتبدأ قراءة هذا الواقع من المعطيات التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط برسم سنة 2023، والتي أحصت على مستوى عمالة طنجة–أصيلة ست مكتبات، بطاقة استيعابية إجمالية بلغت 1235 مقعدا، و1772 منخرطا، فيما بلغ عدد القراء المصرح بهم 10489 قارئا.
وتقدم هذه الحصيلة صورة عن حجم البنية المتاحة للقراءة، وإن كانت تشمل مجموع تراب العمالة، وليس مدينة طنجة وحدها. وعلى نطاق أوسع، تكشف مقارنة المعطيات الجهوية لسنتي 2023 و2024 عن تغيرات ملحوظة في عدد المكتبات ومؤشرات استعمالها.
فبحسب تقرير “المؤشرات الاجتماعية للمغرب”، طبعة 2026، الصادر عن المندوبية نفسها، تراجع عدد المكتبات المحصاة بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة من 52 مكتبة سنة 2023 إلى 31 مكتبة سنة 2024، أي بفارق 21 مؤسسة خلال عام واحد، يمثل انخفاضا بنسبة 40.4 في المائة.
ولم يقتصر التراجع على عدد المؤسسات؛ إذ انخفض عدد القراء المصرح بهم من 65 ألفا و713 قارئا إلى 44 ألفا و299، بتراجع يقارب 32.6 في المائة، فيما تقلصت الطاقة الاستيعابية من 3296 إلى 2375 مقعدا. وفي المقابل، سجل عدد المنخرطين ارتفاعا من 10 آلاف و311 إلى 17 ألفا و411 منخرطا، بزيادة تناهز 68.9 في المائة.
وعلى الصعيد الوطني، تظهر معطيات المندوبية تراجع عدد المكتبات المحصاة بالمغرب من 272 مؤسسة سنة 2023 إلى 216 سنة 2024، بفارق 56 مكتبة. ويمثل الانخفاض العددي المسجل بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة وحدها 37.5 في المائة من صافي التراجع الوطني خلال الفترة نفسها.
غير أن هذه الفوارق تعبر عن تغير في الحصيلة الإحصائية بين سنتين، ولا تحدد الأسباب التي تقف وراء تراجع عدد القراء وارتفاع عدد المنخرطين. كما أن المعطيات الجهوية لا تتيح استخلاص حصيلة مستقلة لمدينة طنجة، التي تتوزع مؤسسات القراءة فيها بين جهات متعددة من حيث الملكية والتدبير والإشراف.
وفي هذا السياق، يوضح عصام الغاشي، نائب رئيس مجلس جماعة طنجة المكلف بتدبير الأملاك الجماعية، في تصريح لـ”طنجة 24″، أن الجماعة تتوفر بالفعل على سجلات إدارية وعقارية تخص مرافقها وممتلكاتها الثقافية، غير أن هذه السجلات لا تمثل جردا شاملا للمكتبات العمومية. ويشدد على ضرورة التمييز بين “ملكية المقر” و”تدبير المؤسسة”، موضحا أن بعض المكتبات أُحدثت في إطار شراكات مع وزارة الثقافة، فيما تخضع أخرى لإشراف قطاعات حكومية أو مؤسسات ثقافية مستقلة.
ومن موقع مسؤوليته عن تدبير الأملاك الجماعية، يرى الغاشي أن تحديد العدد الفعلي للمكتبات النشيطة والمغلقة يقتضي مقاطعة السجلات العقارية مع بيانات التسيير؛ فوجود بناية ضمن ممتلكات الجماعة لا يعني بالضرورة أنها ما زالت تؤدي وظيفتها كمكتبة عمومية، مثلما أن غياب مؤسسة عن هذه السجلات لا يعني خروجها من المشهد الثقافي للمدينة.
وإلى جانب تحديد المؤسسات النشيطة والمغلقة، تبرز أهمية المعطيات المتعلقة بكيفية استعمال المكتبات والخدمات التي تقدمها، من قبيل وتيرة إعارة الكتب، ومدى تجديد أرصدتها، وانتظام ساعات عملها، وحجم استفادة الأطفال والشباب منها. وهي مؤشرات تتيح معرفة جوانب من نشاط هذه المؤسسات لا تظهر في الأعداد الإجمالية للمكتبات والمقاعد والمنخرطين.
وتقدم سجلات المكتبة العامة بشارع الحرية مثالا على أهمية هذه المؤشرات؛ ففي تحقيق ميداني نشره عبد الواحد استيتو سنة 2016، عقب جولة شملت عددا من مكتبات طنجة، كشفت البيانات التي اطلع عليها عن تفاوت حاد في أعداد الزوار بين أشهر السنة. فقد سجلت المؤسسة 1800 زيارة خلال يونيو، مقابل 150 زيارة فقط في يوليوز، و200 في شتنبر، و320 في يناير، بينما لم يتجاوز عدد المنخرطين 181 شخصا.
وبلغ عدد الزيارات المسجلة في يونيو اثني عشر ضعف نظيره في يوليوز، في تفاوت ربطه التحقيق آنذاك بفترة الاستعداد للامتحانات. كما رصد شبه غياب للأطفال رغم توفر المكتبة على فضاء مخصص لهم، مقابل غلبة الطلبة الذين كانوا يقصدون المؤسسة بحثا عن مراجع متخصصة أو عن مكان هادئ للمراجعة.
وفي هذا الجانب المتعلق بتتبع نشاط المكتبات، يؤكد عصام الغاشي ضرورة إرساء منظومة معلومات دقيقة ومحينة، تتيح توجيه الموارد المالية والبشرية وفق الحاجيات الثقافية الفعلية، بدلا من الاكتفاء بعدّ التجهيزات أو الإعلان عن المشاريع.
وتحضر مسألة التمييز بين معطيات إحداث المرافق الثقافية ومؤشرات نشاطها في تجربة أخرى شهدتها مقاطعة السواني، حيث ارتبطت إعادة توفير خدمات القراءة العمومية بمشروع جديد، توثق مساره اتفاقيات مؤسساتية وأرقام معلنة عن التجهيز.
من “الرويضة” إلى “الأندلس”
وتقدم تجربة مقاطعة السواني مثالا على المسافة التي قد تفصل بين إنقاذ الرصيد الوثائقي لمكتبة قديمة واستعادة خدماتها الفعلية. فقد ظلت المكتبة الجماعية بمنطقة “الرويضة”، التي كانت تستقبل أجيالا من التلاميذ والباحثين، مغلقة لسنوات بعدما أصبحت بنايتها بشارع مولاي سليمان مهددة بالانهيار، قبل أن تجد طريقها إلى مقر جديد داخل دار الشباب «الأندلس» بحي كاسطيا، التي جرى افتتاحها يوم 15 أبريل 2022.
ولم يكن الانتقال إلى المقر الجديد ثمرة قرار اتُّخذ في وقت قصير، بل جاء بعد محاولات متعاقبة لإيجاد فضاء بديل للكتب التي بقيت داخل البناية المتداعية. ففي سنة 2021، استعاد محمد سعيد أهروش، الذي كان حينها مستشارا بمقاطعة السواني، مسارا بدأ منذ سنة 2009، وشمل مفاوضات مع نظارة الأوقاف لإيواء الكتب بمكتبة مسجد طارق بن زياد، ثم التفكير في تشييد مكتبة جديدة، قبل محاولة تخصيص طابق داخل المركز الثقافي أحمد بوكماخ، وهي مبادرة قال إنها بلغت مرحلة الشروع في نقل الكتب قبل توقفها.
وامتدت محاولات البحث عن بديل إلى التفكير في كراء بناية مستقلة، غير أن الصعوبات المالية حالت، بحسب شهادة أهروش آنذاك، دون تنفيذ هذا الخيار أيضا. وهكذا، ظلت المكتبة التي كانت تشكل مرجعا لطلبة المدينة وباحثيها عالقة بين الحاجة إلى إنقاذ مقتنياتها من التدهور، وتعثر الحلول التي طُرحت لإعادة فتحها.
وفي يناير 2022، بدأت مرحلة عملية من هذا المسار، بمشاركة موظفين من مقاطعة السواني وطلبة جامعيين متطوعين في نقل الكتب من المقر القديم وترتيبها داخل دار الشباب التي تقرر أن تحتضن المكتبة. والتي شملت فرز المراجع وإعادة توزيعها على الرفوف وفق تخصصاتها، تمهيداً لاستقبال القراء من جديد.
وبعد نحو ثلاثة أشهر، افتُتحت دار الشباب “الأندلس”، التي أُنجزت في إطار شراكة بين المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والقطاع الحكومي المكلف بالشباب. وقدمت المؤسسة باعتبارها فضاء متعدد الوظائف، يجمع بين التنشيط والتكوين والمطالعة، من خلال قاعات وأروقة تستهدف الشباب، إلى جانب مرافق مخصصة للقراءة والبحث.
ولم يكن المشروع مجرد تغيير لمقر المكتبة، بل ثمرة تقاطع جهود بين جماعة طنجة ومقاطعة السواني والقطاع الحكومي المكلف بالشباب. وهو مسار إداري يؤكده عصام الغاشي، موضحا أن المجلس صادق، خلال دورته المنعقدة يوم 6 ماي 2022، على اتفاقية شراكة لتدبير مكتبة مقاطعة السواني ودار الشباب الأندلس، بموجب المقرر رقم 45/2022، أي بعد ثلاثة أسابيع تقريبا من حفل الافتتاح.
وانطلقت التجربة برصيد معلن يناهز 18 ألف كتاب، مع طموح لرفعه إلى 25 ألفا، وضمت المقتنيات، بحسب المعطيات التي رافقت الافتتاح، مؤلفات ومراجع أكاديمية في مجالات أدبية وعلمية وتقنية، إلى جانب كتب ومقررات دراسية، فيما خُصصت فضاءات للمطالعة الفردية والجماعية، مع الإعلان عن برمجة أنشطة تعليمية وثقافية موازية.
غير أن اختيار نقل المكتبة إلى دار الشباب لم ينهِ النقاش حول مستقبل المؤسسة القديمة. ففي دورة مجلس مقاطعة السواني المنعقدة يوم 2 يونيو 2022، عاد الملف إلى الواجهة، بعدما عبّر أحمد الغرابي، الرئيس السابق للمقاطعة، عن اعتراضه على نقل المكتبة الجماعية إلى فضاء شبابي متعدد الاستعمالات، مطالبا بإيجاد حل يحافظ على خصوصيتها. فيما اقترح عصام الغاشي آنذاك إحداث لجنة من أعضاء المجلس لإعداد مذكرة بشأن المكتبة ورفعها إلى والي الجهة.
وتكشف هذه المواقف أن النقاش لم يكن متعلقا بضرورة إنقاذ الكتب فحسب، وهي غاية بدا أنها تحظى باهتمام مختلف الأطراف، بل امتد إلى طبيعة المؤسسة التي ستحتضن الرصيد القديم، ومدى قدرة فضاء متعدد الوظائف على توفير شروط التدبير المكتبي المتخصص والخدمات المنتظمة للباحثين والقراء.
وفي تقييمه لهذه التجربة، يعتبر عصام الغاشي أن إعادة افتتاح المكتبة شكلت خطوة مهمة، غير أن قياس نتائجها يقتضي تجاوز أرقام التدشين والتجهيزات، والاعتماد على مؤشرات تعكس استمرارية الخدمات، من بينها عدد المستفيدين ووتيرة الإعارات ومدى تجديد الرصيد الوثائقي.
“إقرأ”.. حين تسبق البنايةُ المكتبةَ
وفي تجربة أخرى، تختلف عن مسار إعادة إحياء المكتبات القائمة، تبرز المكتبة الوسائطية الكبرى “إقرأ” بطنجة، باعتبارها أحد المشاريع الثقافية التي رُصدت لها استثمارات عمومية مهمة، دون أن تدخل حيز الاستغلال المنتظم حتى خريف سنة 2026، رغم مرور سنوات على انتهاء أشغال بنيتها التحتية.
فالمشروع، الذي أُنجز ضمن برنامج “طنجة الكبرى” بغلاف مالي يناهز 48 مليون درهم، صُمم ليكون مؤسسة ثقافية حديثة تتجاوز النموذج التقليدي للمطالعة، من خلال توفير فضاءات للبحث والوسائط الرقمية، ومرافق موجهة لمختلف الفئات. وكان يُنتظر أن يشكل إضافة إلى البنية الثقافية للمدينة، بما يواكب توسعها العمراني والديمغرافي، غير أن تأخر تشغيله أبقى هذه التجهيزات خارج متناول القراء.
ويستحضر الشاعر أحمد فرج الروماني أهمية هذا المشروع، معتبرا أن “إقرأ” تعد من التجهيزات الثقافية الحديثة بالغة الأهمية، خاصة بالنظر إلى ما أُعلن عن ضمه لفضاءات مخصصة للكبار والأطفال والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. غير أنه يربط الاستفادة الحقيقية من هذه الإمكانات بافتتاح المؤسسة واستقبالها للقراء، إذ إن توفر البناية والتجهيزات لا يكفي وحده لإحداث الأثر الثقافي المنتظر منها.
أما عصام الغاشي، فيتناول تأخر افتتاح المكتبة من زاوية إدارية وتدبيرية، موضحا أن إنجاز البنية التحتية للمشروع من الناحية التقنية يختلف عن توفير الموارد الإدارية والمالية والبشرية اللازمة لتشغيله، خاصة في ظل تعدد المؤسسات الشريكة وتداخل التزاماتها.
ووفق توضيحات المسؤول الجماعي، فإن جماعة طنجة طرف أساسي في المشروع، لكنها ليست الجهة الوحيدة المعنية به، ما يجعل تحديد أسباب التأخر وتوزيع المسؤوليات مرتبطا بالرجوع إلى اتفاقيات الشراكة ومحاضر التتبع التي تضبط التزامات مختلف الأطراف. كما يشير الغاشي إلى أن شهر غشت 2026 شهد إجراءات جديدة تتعلق بصيانة بعض تجهيزات المكتبة، مؤكدا أن تفسير سنوات التأخير يقتضي استحضار مختلف المعطيات التقنية والإدارية، دون اختزالها في سبب واحد.
وتتيح وثائق الطلبات العمومية الوقوف على جانب من هذه الإجراءات. فمن خلال تتبع نتائج سندات الطلب الصادرة عن المديرية الجهوية للثقافة بطنجة خلال غشت وشتنبر 2026، أمكن رصد أربع عمليات أُعلن إسنادها لشركات من أجل إصلاح وصيانة مرافق وتجهيزات المكتبة الوسائطية الكبرى «إقرأ»، بمبلغ إجمالي بلغ 220 ألفا و320 درهما، مع احتساب الضرائب.
وتظهر تفاصيل هذه العمليات أن أولها تعلق بصيانة وإصلاح نظام التكييف المركزي، بموجب سند الطلب رقم 10/2026/DRCTTH، الذي أُعلن إسناده يوم 21 غشت 2026 إلى شركة «ENERGIE DESIGN»، بمبلغ 119 ألفا و676 درهما.
وبعد أسابيع، وتحديدا يوم 28 شتنبر، نُشرت نتائج ثلاث عمليات أخرى، شملت أشغال صيانة وإصلاح للمكتبة، بقيمة 29 ألفا و952 درهما لفائدة شركة «ZF PRO»، وإصلاح مرافق السباكة والتجهيزات الصحية، بمبلغ 20 ألفا و700 درهم لفائدة شركة «MOZAIC TANGER»، فضلا عن أشغال متنوعة للإصلاح وإعادة التأهيل، بقيمة 49 ألفا و992 درهما، أُسندت بدورها إلى الشركة الأخيرة.
وهكذا، تكشف نتائج سندات الطلب عن استمرار الإجراءات المرتبطة بصيانة وإصلاح تجهيزات المكتبة خلال النصف الثاني من سنة 2026، بعد سنوات من إنجاز المشروع الأصلي. غير أن هذه الوثائق، التي تثبت الإعلان عن إسناد العمليات الأربع، لا تحدد في حد ذاتها موعد دخول المؤسسة حيز الاستغلال، ولا ما إذا كانت جميع متطلبات تشغيلها قد استُكملت.
وبين استثمار أولي يناهز 48 مليون درهم وعمليات صيانة وإصلاح أُعلن إسنادها بعد سنوات، بقيت المكتبة الوسائطية “إقرأ”، حتى خريف 2026، خارج الاستغلال المنتظم، في انتظار استكمال المسار الذي يفصل إنجاز المشروع عن استقبال القراء.
وإذا كانت “إقرأ” تنتظر بدء أداء وظيفتها الثقافية، فإن مكتبة أخرى في قلب طنجة تنتظر استعادة دور اضطلعت به لعقود، بعدما أُغلقت أبوابها من أجل الترميم، وامتد غيابها عن قرائها لسنوات.
مكتبة كنون.. ذاكرة معلّقة
وفي شارع “باستور” العريق، تأخذ حكاية المكتبات المغلقة منحى آخر مع مكتبة “عبد الله كنون”. فخلافا للمرافق الثقافية الحديثة التي تأخر تشغيلها، يتعلق الأمر هنا بمؤسسة تاريخية راكمت، على مدى عقود، رصيدا علميا ووثائقيا نفيسا، وارتبط اسمها بذاكرة الباحثين والطلبة، وبالحركة الأدبية الطنجاوية.
وتعود نشأة المكتبة إلى مبادرة العلامة عبد الله كنون، الذي أهدى مجموعته العلمية الخاصة لخدمة الباحثين وطلبة العلم، لتفتح المؤسسة أبوابها رسميا سنة 1985 داخل بناية “دار السلف” التاريخية. وارتبطت تجربتها منذ التأسيس باسم الكاتب والمؤرخ الراحل عبد الصمد العشاب، الذي تولى إدارتها، وأصبح أحد أبرز الوجوه التي تستحضرها ذاكرة روادها.
ولم تكن علاقة العشاب بالمكتبة إدارية فحسب؛ إذ يستحضر الروماني صلته الوثيقة بالعلامة عبد الله كنون، بوصفه ابن شقيقته وأحد تلامذته الملازمين له، وهو ما أضفى على إشرافه على المؤسسة بعدا يتصل بصيانة الإرث العلمي لصاحب الخزانة.
ويستعيد فرج الروماني صورة العشاب، ليس فقط بوصفه مديرا للمكتبة، بل باعتباره أحد أبرز المهتمين بتوثيق تاريخ طنجة وأعلامها، من خلال حضوره الإذاعي المألوف وعلاقاته الممتدة مع الكتاب والباحثين. وبحسب شهادته، لم يقتصر دوره على تدبير المؤسسة وإرشاد قرائها، بل جعل منها فضاء للقاءات الأدبية والفكرية، استضاف أسماء من قبيل محمد أنقار، وربيعة ريحان، ومحمد عز الدين التازي، ورشيد برحو، وأحمد بوزفور، إلى جانب أنشطة نظمتها جمعيات ثقافية محلية.
وقد منحت هذه الأنشطة المكتبة مكانة تجاوزت وظيفتها التقليدية كفضاء للمطالعة، لتصبح جزءا من الحياة الأدبية للمدينة. غير أن هذا الدور توقف مع إغلاق المؤسسة من أجل تأهيل بنايتها، في مسار امتد لسنوات وتعاقبت خلاله اتفاقيات وأشغال وتعديلات مالية، دون أن تستعيد المكتبة نشاطها.
فقد بدأ المسار الرسمي للتأهيل سنة 2021، إثر المصادقة على اتفاقية شراكة خُصص لها غلاف مالي إجمالي يقارب 6.157 ملايين درهم، وزع بين 4.767 ملايين درهم لأشغال التهيئة، و1.390 مليون درهم للتجهيز والرقمنة.
غير أن الدراسات والخبرات التقنية المنجزة سنة 2023 كشفت عن مشاكل إنشائية في البناية التي يعود تشييدها إلى سنة 1910، شملت تشققات وتآكلا في بعض عناصر البناء واختلالات في العزل المائي، ما استدعى توسيع نطاق التدخلات لتقوية الأساسات وتجديد الشبكات.
ومع ارتفاع كلفة الأشغال، الذي ساهمت فيه أيضا زيادة أسعار مواد البناء، أُعيد توجيه مجموع الاعتمادات نحو التهيئة ومعالجة الأعطاب الإنشائية، على حساب المبلغ الذي كان مخصصا للتجهيز والرقمنة. ورغم تقدم الأشغال خلال سنة 2024، وتصريح محمد كنون الحسني، رئيس مؤسسة عبد الله كنون للثقافة والبحث العلمي، في فبراير 2025 باقتراب موعد إعادة الافتتاح، شهد الملف تطورا جديدا في يوليوز 2026، حين أطلقت الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة طلب عروض لاستكمال أشغال التهيئة، بكلفة تقديرية بلغت مليونا و476 ألفا و66 درهما.
ولم يتوقف مسار هذا الطلب عند الإعلان عن المنافسة؛ فوفق النتائج المنشورة عبر منصات متخصصة في تتبع الصفقات العمومية، انتهى أجل تقديم العروض المتعلقة بالصفقة رقم 31/AREP/TTA/TG/2026 يوم 6 غشت 2026، قبل أن يُعلن إسنادها إلى شركة «STE TAHIRI ATLAS»، بعرض مالي بلغ مليونا و481 ألفا و568 درهما، مع احتساب الضرائب.
وبموازاة هذه التطورات المتعلقة بمشروع التأهيل، برزت معطيات جديدة بشأن الرصيد الوثائقي للمكتبة يوم 29 أكتوبر 2026، عقب زيارة قام بها وفد من “مؤسسة عبد الله اشبابو للفكر والثقافة” إلى محافظ المكتبة محمد كنون الحسني. ووفق بلاغ صادر عن المؤسسة الزائرة، قدم المحافظ شروحات حول الأسباب التي حالت دون استئناف الأشغال، كما تحدث عن رصيد يضم نحو 150 ألف كتاب، إلى جانب المخطوطات والجرائد والمجلات والدوريات والصور.
وكانت تقديرات أخرى لحجم مقتنيات المكتبة قد وردت في سنوات سابقة. فبالعودة للتحقيق الميداني الذي نشره عبد الواحد استيتو سنة 2016، نقل عن حسن المهداوي، الذي أشار التحقيق إلى إشرافه على المكتبة منذ افتتاحها، أن رصيدها كان يضم نحو 18 ألف كتاب بالعربية، وثلاثة آلاف بالفرنسية، ومثلها بالإنجليزية، فضلا عن المخطوطات والوثائق. وفي مناسبة سابقة، تحدث محمد كنون الحسني عن مخزون ثقافي يصل إلى 100 ألف “عنوان”.
وكان تجهيز المكتبة ورقمنة مقتنياتها جزءا من مشروع التأهيل الأصلي، قبل أن تفرض المشاكل الإنشائية إعادة توجيه الاعتمادات المخصصة لهما نحو ترميم البناية. وفي انتظار استكمال هذا المسار، ما تزال أبواب “دار السلف”، المصنفة ضمن التراث الوطني منذ سنة 2007، مغلقة أمام القراء والباحثين، بعدما كانت لعقود فضاء للمطالعة واللقاءات الأدبية التي جمعت أسماء من أجيال مختلفة من المشهد الثقافي الطنجاوي.
بني مكادة و”إكليل”.. وجه آخر للقراءة
رغم الصورة القاتمة التي ترسمها الأبواب المغلقة ومشاريع متعثرة، لا يقتصر مشهد القراءة العمومية في طنجة على سرديات التراجع والانتظار. ففي زوايا أخرى من المدينة، تبرز محاولات جادة لكسر هذه الحلقة المفرغة، مقدمة بدائل تقطع مع المفهوم التقليدي للمكتبة كفضاء صامت لتكديس المراجع. فخلال السنوات الأخيرة، شهدت الخريطة الثقافية بروز مرافق جديدة وتجارب واعدة، سعت إلى مصالحة القارئ مع الفضاء العمومي عبر دمج المطالعة الورقية بالوسائط الرقمية والأنشطة التفاعلية.
ففي يناير 2024، تعززت الخريطة بافتتاح المركز الثقافي بمقاطعة بني مكادة، ضمن مشروع تجاوز غلافه المالي 40 مليون درهم. وتكتسي هذه المؤسسة، التي تضم فضاءات للقراءة والوسائط المتعددة مخصصة للأطفال والراشدين، أهمية بالغة بالنظر إلى موقعها داخل مقاطعة تشهد توسعا عمرانيا وديمغرافيا كثيفا، مما يجعلها نقطة ارتكاز حيوية لتقريب الكتاب من التلاميذ والشباب.
ويعود إطلاق المشروع إلى سنة 2018، في إطار تعاون بين وزارة الثقافة وولاية جهة طنجة–تطوان–الحسيمة. وقد شُيد المركز على مساحة تبلغ 4300 متر مربع، موزعة على ثلاثة مستويات، يحتضن الطابق الأرضي منها مكتبة للأطفال، وقاعة للعروض تتسع لنحو 300 شخص، ورواقا للمعارض، بينما خُصص الطابق الأول لمكتبة الراشدين وقاعة متعددة الوسائط. أما الطابق تحت الأرضي، فيضم مرافق للتكوين الموسيقي والفنون الكوريغرافية واستوديو للتسجيل.
وتكتسب هذه التجهيزات دلالتها عند وضعها في سياق التحولات الديمغرافية التي شهدتها المقاطعة. فبحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى، ارتفع عدد سكان بني مكادة من 386 ألفا و191 نسمة سنة 2014 إلى 567 ألفا و465 نسمة سنة 2024، بزيادة تناهز 46.9 في المائة خلال عشر سنوات. وبالموازاة مع ذلك، ارتفع عدد الأسر من 91 ألفا و737 إلى 150 ألفا و816 أسرة، بزيادة تقارب 64.4 في المائة.
ولم يبق المركز بعيدا عن المبادرات الموجهة لتشجيع القراءة؛ ففي 24 أكتوبر 2026، احتضن محطة من “قافلة القراءة” التي نظمتها المديرية الجهوية للثقافة تحت شعار “كتاب يكتشف.. وحكاية تُروى”. وشهد الموعد مشاركة أطفال وناشئة المنطقة في أنشطة جمعت بين تصفح الكتب والاستماع إلى الحكايات الشعبية، بمساهمة الحكواتي عبد الحق بوعمرو، فيما أتاحت القافلة كتبا باللغات العربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية.
وقدمت مديرة المركز، بثينة جليدة، هذه المبادرة باعتبارها فرصة لتقريب الأطفال من الكتاب والحكاية، مؤكدة أهمية المواعيد الفنية والتربوية في تشجيع القراءة، رغم الانتشار الواسع للوسائط الرقمية. وتقدم هذه التجربة مثالا على استعمال المركز فضاء للتنشيط الثقافي الموجه للناشئة، إلى جانب وظائفه الأصلية المرتبطة بالمطالعة والوسائط المتعددة.
في المقابل، تقدم مكتبة المركز الثقافي “إكليل”، التابع لمؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين، تجربة يمكن تقييم مسارها استنادا إلى أرقام منشورة. فمنذ افتتاحه في دجنبر 2013 داخل مبنى مؤسسة تعليمية قديمة بحي “عين قطيوط”، راهن المركز على دمج فضاءات المطالعة بالوسائط المتعددة والتكوين والتنشيط الثقافي، مع توفير مرافق موجهة للأطفال وللأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.
وتكشف وثائق المؤسسة أن المشروع أُنجز داخل المقر السابق لمدرسة “سيدي محمد بن عبد الله”، التي يعود تاريخها إلى مطلع القرن العشرين. ويضم المركز مساحة نافعة تناهز 730 مترا مربعا، موزعة على ستة فضاءات، تشمل ركنا للصحافة والدوريات، وفضاء لطريقة برايل، وجناحاً للأطفال، وقاعة متعددة الوسائط، إلى جانب قاعتي التكوين والأنشطة متعددة الاستعمالات.
ولم يقتصر تطور المؤسسة على هذه المرافق؛ إذ تكشف حصيلة مؤسسة محمد السادس للفترة 2020–2022 أن المركز الطنجاوي كان يستحوذ على 36 في المائة من الرصيد الوثائقي المادي لشبكة مراكزها الثقافية الثلاثة آنذاك، التي بلغ مجموع مقتنياتها 58 ألفا و236 وثيقة. وتعادل هذه الحصة نحو 21 ألف وثيقة بمختلف أصنافها، وهو رصيد يشمل المراجع والمؤلفات المتاحة ضمن المجموعات الوثائقية، وليس الكتب وحدها.
وفي أبريل 2023، تعززت مرافق المركز بافتتاح رواق فني جديد، دُشن بمعرض “المادة والفضاء.. تأملات فنية” للفنان حسن أبارو. ومثلت هذه الخطوة امتدادا لنموذج المؤسسة متعددة الوظائف، التي تجمع بين المكتبة والأنشطة التكوينية والفنية، وتتيح فضاءات للقاء بين المبدعين والجمهور.
هذه التجربة تتقاطع عندها التقييمات الإيجابية لكل من عبد الواحد استيتو وأحمد فرج الروماني. إذ يعتبر استيتو أن “إكليل” يقدم نموذجا يمزج بين الحيوية الثقافية والمتابعة المؤسسية، مقترحا إمكانية استنساخه داخل مكتبات الأحياء بصيغ مصغرة تتلاءم مع إمكاناتها المتاحة. من جهته، يرى الروماني أن تنوع مرافق المؤسسة وإدماجها للوسائط الرقمية ساهما في تعويض جزء من الفراغ الذي خلفه إغلاق مكتبة عبد الله كنون وتراجع الخدمات في مؤسسات أخرى.
وتسمح البيانات الصادرة عن مؤسسة محمد السادس بمقارنة جانب من نشاط المركز بين سنتين مرجعيتين. ففي سنة 2021، سجل المركز نحو 1385 منخرطا، و3066 إعارة للوثائق، و537 نشاطا ثقافيا. وفي سنة 2022، بلغت الإعارات 1708، بانخفاض يقارب 44.3 في المائة، مع تنظيم 478 نشاطا، بتراجع نسبته 11 في المائة، بينما سجلت المؤسسة 8027 مستفيدا من أنشطتها خلال السنة نفسها. ولا يمكن تفسير هذه التحولات باعتبارها تراجعا في الاهتمام بالقراءة وحده، في ظل التغيرات التي عرفتها أنشطة المراكز الثقافية خلال تلك الفترة.
وتظهر المعطيات الأحدث استمرار نشاط “إكليل” ضمن شبكة ثقافية اتسعت لاحقا إلى أربع مدن، بعد افتتاح مركز فاس سنة 2024. ووفق الحصيلة التي أعلنتها مؤسسة محمد السادس في يناير 2026، نظمت مراكز الرباط وطنجة وتطوان وفاس مجتمعة، خلال سنة 2025، أكثر من 2900 نشاط ثقافي وفني، استفاد منها ما يزيد على 76 ألفا و500 شخص.
وتكمن أهمية هذه الأرقام في أنها توفر مؤشرات عن طبيعة استعمال المكتبة، بخلاف مؤسسات لا يُعرف عنها سوى عدد الكتب المتراكمة أو قيمة الغلاف المالي للاستثمار. فالمكتبة التي توثق إعاراتها وزياراتها وأنشطتها بانتظام، تتيح قياس أثرها الثقافي والمجتمعي بصورة أدق من مؤسسة لا تملك في رصيدها سوى آلاف الكتب ومئات المقاعد.
هل ينقص طنجة المزيد من المكتبات أم من يديرها؟
إذا كانت الأرقام ومعدلات الإعارة هي المعيار الحقيقي لقياس نبض أي مؤسسة ثقافية، فإن تفسير حالة الركود التي تعيشها معظم المكتبات العمومية بطنجة يفتح الباب أمام نقاش تشخيصي متباين: هل تعاني المدينة من نقص في الجدران والمقرات، أم في الموارد البشرية القادرة على بث الروح فيها؟
في مقاربته لهذا الإشكال، يميل أحمد فرج الروماني إلى تغليب الطرح الثاني. فهو يرى أن طنجة شهدت فعليا، خلال العقود الأخيرة، إحداث عدد لا بأس به من مكتبات القرب داخل مقاطعاتها، مستحضرا أمثلة تمتد من المركز الثقافي ببني مكادة، والمكتبة الوسائطية الكبرى بمنطقة الزياتن، وصولا إلى مراكز ثقافية ظهرت بمناطق التوسع العمراني كـ”اكزناية” وحي “ظهر قنفود”. توزيع يراه الروماني أكثر اتساعا مما كان عليه الوضع في الماضي.
لكن، ورغم هذا التمدد الجغرافي، يشكك المتحدث في قدرة هذه المؤسسات على بلوغ أهدافها. فالأمر، وفق مشاهداته، ينتهي غالبا بالوقوف أمام مكتبات مغلقة في أوقات يُفترض أن تشرع فيها أبوابها، أو قاعات فارغة لا تضم سوى الموظف المكلف بحراستها. ويُرجع الروماني هذا الشلل إلى سببين جوهريين: أولهما العقم في تنظيم الأنشطة الأدبية والفنية القادرة على جذب الجمهور، وثانيهما المنافسة الشرسة للهواتف الذكية التي أتاحت بدائل رقمية سريعة. ولهذا، يخلص إلى أن العطب يكمن في غياب الموارد البشرية المؤهلة لتحويل المباني إلى “مؤسسات حية”.
غير أن هذا التقييم، الذي ينطلق من وفرة التجهيزات، يصطدم بواقع آخر؛ فإدراج المشاريع ضمن الخريطة الثقافية لا يعني البتة أنها تتدخل في يوميات القراء، ولعل وضعية المكتبة الوسائطية “إقرأ” التي لم تبلغ بعد مرحلة الاستغلال العمومي، خير دليل على أن البناية لا تصبح مكتبة بمجرد تدشينها.
هذه الزاوية تقودنا إلى قراءة مغايرة تماما يقدمها عصام الغاشي، الذي يرى أن شبكة القراءة العمومية لم تتطور تاريخيا بما يتناسب مع الانفجار العمراني والديمغرافي لطنجة. ويوجه الغاشي بوصلة الاهتمام نحو مقاطعتي بني مكادة ومغوغة، معتبرا أنهما تستحقان تمييزا إيجابيا بالنظر إلى كثافتهما السكانية الهائلة. وفي نظره، لا يقتصر الحل على تشييد مكتبات مركزية كبرى، بل يتطلب الأمر استغلال دور الشباب والمراكز الثقافية والمرافق العمومية المتاحة لتقريب الكتاب من الأحياء، شريطة تحديد قواعد واضحة للتسيير والتمويل والصيانة.
وبين تشخيص يشتكي من “فراغ المؤسسات الموجودة”، وآخر يحذر من “ضعف التغطية المجالية”، تظل الحقيقة معلقة في المنتصف. فالمعطيات الحالية لا تسمح بترجيح كفة على أخرى، لأن مجرد تثبيت موقع مكتبة على الخريطة لا يكفي لقياس فرص الوصول إليها، ما لم يُقرن ذلك بساعات عملها، طبيعة خدماتها، والمسافة التي يكابدها السكان لبلوغها.
أكثر من ذلك، فإن فتح أبواب المكتبة داخل حي مكتظ لا يحمل أي قيمة تُذكر إذا كانت رفوفها تفتقر للإصدارات الحديثة، أو تفتقد لأطر مؤهلة قادرة على توجيه القراء وتنشيط الفضاء.
ومن زاوية مختلفة، يربط عبد الواحد استيتو تطوير المكتبات العمومية بتأهيل الموارد البشرية المكلفة بتسييرها، إلى جانب تجديد أرصدتها الوثائقية. وينتقد الكاتب ما يعتبره تقادما في مقتنيات بعض المؤسسات، حتى أصبحت، في تقديره، أقرب إلى أرشيف لا يواكب الإصدارات الحديثة.
ولتجاوز هذا الوضع، يرافع استيتو لصالح التأسيس المهني قائلا: “نحتاج بدايةً إلى الاعتراف بمهنة (قيّم مكتبة)، وتوفير تكوينات متخصصة فيها”. فبحسب رؤيته، يُعتبر إسناد مكتبة عمومية لمجرد موظف إداري خطأ استراتيجيا؛ لأن دور القيّم المتخصص يتجاوز فتح الأبواب ليختص بمعرفة الرصيد الوثائقي، تحديثه المستمر، إرشاد القراء، وهندسة الأنشطة الجاذبة.
طرحٌ تتقاطع خطوطه بوضوح مع ما تُجمع عليه الدراسات الأكاديمية المتخصصة؛ والتي تؤكد مرارا وتكرارا أن استدامة المكتبات العمومية مرهونة بتخريج أطر متشبعة بعلوم المكتبات والمعلومات، قادرة على تقديم خدمات حية تتجاوز بكثير مجرد توفير المقاعد والرفوف الخشبية.
من قارئ يبحث عن كتاب إلى كتاب يبحث عن قارئ
ولعل هذه الدعوة الملحة لتجاوز نموذج “الرفوف الخشبية”، تستمد مشروعيتها من واقع جديد يتشكل بسرعة خارج أسوار المكتبات. فالزلزال الرقمي لم يفرض تحديات إدارية على هذه المؤسسات فحسب، بل أحدث رجة أعمق مست جوهر علاقة الكتاب بجمهوره، مغيرا بشكل جذري مسالك الوصول إلى المعرفة وطبيعة القارئ نفسه.
يستعيد عبد الواحد استيتو تلك السنوات التي كانت فيها الكتب المستعملة والمجلات العتيقة نافذة ضرورية لاكتشاف متعة القراءة خارج أسوار المدرسة. ولا يخفي الكاتب حنينا دافئا لأولئك الباعة المتجولين للكتب والمجلات المستعملة في أزقة طنجة، معتبرا إياهم فاعلين أدوا أحيانا دورا ثقافيا حيويا عجزت بعض المكتبات -العمومية منها والخاصة- عن أدائه.
ورغم هذا الحنين، لا ينزلق استيتو نحو مثالية النوستالجيا؛ فهو يرفض بشدة تلك الصورة النمطية التي تصر على تصوير المكتبات القديمة كصالونات أدبية منتظمة تعج باللقاءات وتوقيعات الكتب. ويُصر على أن الدور الحقيقي للعديد منها ظل منحصرا، ببساطة، في توفير فضاء هادئ للقراءة المجانية والمراجعة الدراسية.
هنا، تتقاطع تجربته لتختلف قليلا عن شهادة أحمد فرج الروماني، الذي يحتفظ في ذاكرته بأمثلة حية ومباشرة عن لقاءات أدبية حضرها، بل ونظم بعضها، بين جدران مكتبة عبد الله كنون والمكتبة العامة بشارع الحرية. غير أن هذا الاختلاف لا يلغي أيا من التصورين؛ فالمكتبة التي مثلت لطفل ما مجرد ملاذ هادئ للمطالعة، هي ذاتها التي شكلت، لاحقا، للناشط الثقافي منصة لتنظيم الندوات. ولعل الفارق يكمن في طبيعة كل مؤسسة والمرحلة التي عاصرتها.
أما اليوم، فالقراءة الورقية تعيش مأزقا مختلفا. يعتقد استيتو أن شريحة واسعة من القراء هجرت المكتبات تماما، بعدما سحبت الهواتف الذكية والمنصات الرقمية بساط المعرفة والتسلية إلى شاشاتها المضيئة. لكنه، انطلاقا من تجربته الرائدة في الرواية التفاعلية، يضع خطا فاصلا بين “الابتعاد عن الورق” و”الابتعاد عن القراءة”.
في هذا الصدد يقول: “المنصات أبعدتهم عن الورق فعلا، وعن المكتبات، لكنها لم تبعدهم عن القراءة.. شرطَ أن يجدوا ما يقرأونه”. وانطلاقاً من هذا الاقتناع، يوجه استيتو دعوة صريحة للتخلي عن انتظار الجمهور في “البرج العاجي” للمكتبات، مطالبا بالتوجه المباشر نحو القراء عبر وسائطهم المفضلة، لأن منصة اجتماعية قد تزرع شغف القراءة في قلب متصفح عابر، بوقت طويل قبل أن يفكر في زيارة أي مكتبة.
وقد اختبر استيتو هذه العلاقة بين القراءة والحاجة النفسية إلى الكتاب خلال جائحة كورونا، حين أصبح لقاء القراء أمرا عسيرا، في وقت لاحظ فيه، بحسب تجربته، تزايد الرغبة في القراءة لدى أشخاص فرضت عليهم ظروف الحجر البقاء في منازلهم. ويستعيد تلك الفترة باعتبارها لحظة اكتسب فيها الكتاب وظيفة إضافية، بوصفه ملاذا نفسيا يساعد على احتمال العزلة.
ومن هنا نشأت لديه فكرة إهداء نسخ من رواياته إلى أشخاص لا يعرفهم، عبر تركها في أماكن عامة وشوارع شبه خالية بطنجة، أملاً في أن يعثر عليها قراء بالمصادفة. وكان يتصور أن العثور على كتاب يحمل إهداءً شخصيا قد يوقظ فضول شخص لم يكن يخطط لقراءته، ويمنحه لحظة إنسانية مختلفة وسط الظروف الاستثنائية للجائحة.
في ذات السياق، يقدم الشاعر أحمد فرج الروماني قراءة جيلية لهذا العزوف. فهو يرى أن الجيل الحالي فقد بوصلة الصبر، ولم يعد مستعدا لتمضية ساعات في تقليب الفهارس الورقية الصفراء بحثا عن مرجع، بعدما وفرت محركات البحث، والمكتبات الرقمية، وأدوات الذكاء الاصطناعي طرقا مختصرة وسريعة للوصول إلى المعلومة. وبكثير من الدلالة، يختزل الروماني هذا التحول الجذري في اختصار لوحة المفاتيح «Control + F» للبحث داخل النصوص؛ الذي بات في حالات كثيرة بديلا سريعا عن عمليات بحث ورقية كانت تستنزف أياما.
إلا أن الروماني لا يرى في هذا الهجران للمكتبات دليلا قاطعا على انحسار فعل القراءة ذاته؛ فقد يكون الأمر مجرد هجرة جماعية نحو الكتب الرقمية، والملفات الصوتية، والمحتويات الإلكترونية المفتوحة. وفي أحسن الأحوال، قد يعكس هذا الوضع تحول المكتبة التقليدية من فضاء ثقافي شامل إلى مجرد “فضاء وظيفي” يرتاده الطلبة للمراجعة والتحضير للامتحانات.
هذه الخلاصة العملية تتقاطع بوضوح مع ما انتهت إليه الدراسة الأنثروبولوجية التي نشرتها الباحثة أنوك كوهين سنة 2008، تحت عنوان «Quels usages de la bibliothèque au Maroc?» (أي استعمالات للمكتبة في المغرب؟). فقد استنتجت الباحثة أن اللجوء إلى المكتبة العمومية غالبا ما يكتسي طابعا وظيفيا وذرائعيا محدودا، في مقابل حضور قوي لأشكال الارتباط الشخصي والرمزي بالكتاب داخل المكتبات الخاصة العائلية. ورغم أن هذه الدراسة لا تصلح مسطرة للقياس المباشر لسلوك القراء بطنجة في سنة 2026، إلا أنها تقدم مفتاحا لفهم المفارقة المستمرة: كيف يمكن لمكتبة أن توفر المقاعد الوثيرة والمراجع المدرسية، دون أن تنجح بالضرورة في خلق قارئ حر، مستعد لارتيادها من أجل متعة الاكتشاف والمشاركة؟
وللخروج من هذا النفق، يرى استيتو أن المكتبة الحديثة يجب أن تخلع ثوبها التقليدي لتصبح منصة متكاملة. يجب أن تتجاوز رفوف الخشب لتوفر وسائل بحث رقمية متطورة، كتبا حديثة ومواكبة، مسابقات تفاعلية، حضورا قويا على منصات التواصل، وتنشيطا مستمرا.
غير أن حماس استيتو لتطوير المكتبات رقميا لا يلغي ارتباطه العاطفي بالقراءة الورقية، ولا يمنعه من طرح سؤال أكثر عمقا عن الوظيفة التي قد يؤديها الكتاب في المستقبل. ففي تقديره، لم تعد القراءة تحتفظ بالاحتكار الذي كانت تتمتع به بوصفها وسيلة للوصول إلى المعرفة أو التسلية، بعدما أتاحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بدائل متزايدة لهذه الوظائف.
ومن هنا، يتوقع الروائي أن تكتسب القراءة الورقية معنى مختلفا، يرتبط بالراحة النفسية والهدوء والخيال أكثر من ارتباطه بالحصول على المعلومات. ويعبر عن هذا التصور قائلا: “ما أخشاه، وما أتوقع حدوثه، هو أن تصبح القراءة وسيلة تشافي فقط”.
ولا يخفي استيتو رغبته في أن يستعيد الجيل الجديد ما يسميه عشق “رائحة الورق”، بما تحمله التجربة من متعة حسية وعلاقة شخصية بالكتاب. وهكذا، لا يبدو مستقبل القراءة في تصوره مرتبطا بمنافسة الشاشات على سرعة الوصول إلى المعرفة، بقدر ما يرتبط بالحفاظ على تجربة إنسانية تمنح القارئ مساحة للتأمل والانفصال المؤقت عن إيقاع الحياة الرقمية.
“الدروج كيتسيقوا من السطح”
وإذا كان إنعاش المكتبات يتطلب، تقنيا، توفير التجهيزات والأرصدة والموظفين، فإن إعادة إدماجها في الحياة اليومية للمدينة تتجاوز هذه المتطلبات المادية، ليرتبط في العمق بطبيعة الأولويات الثقافية والسياسات العمومية.
في مقاربته لهذا البعد، يوجه أحمد فرج الروماني سهام النقد نحو ما يعتبره “طابعا مناسباتيا” يطغى على الحركية الثقافية بطنجة. ورغم إقراره بأن المدينة تعيش دينامية ثقافية مهمة، إلا أنه يرى أن جزءا كبيرا منها بات مرتهنا لزمن المهرجانات والمواسم؛ تلك التظاهرات التي ينطفئ بريقها بمجرد طي خيامها. في المقابل، يؤكد أن بناء مجتمع قارئ يحتاج إلى عمل صامت وطويل النفس، يبدأ من غرف البيت، ويمر بساحة المدرسة، ليستقر في مكتبة الحي.
ويميز الروماني في هذا السياق بين دينامية “عمودية ومناسباتية” (تُفرض من الأعلى في مواعيد محددة)، وأخرى “أفقية ومستدامة”، تقوم على حضور الأنشطة الثقافية والمكتبات في الحياة اليومية للسكان، طوال السنة، وليس خلال المواسم والمهرجانات وحدها.
ولا يقف نقده عند حدود التدبير المحلي، بل يمتد لمساءلة المركزية الإدارية؛ إذ يرى أن محدودية لامركزية القرار تجعل صياغة مشروع ثقافي مندمج لمدينة بحجم طنجة رهينا بالوزارة الوصية. ويعتبر أن الاكتفاء بدعم المهرجانات والمعارض وحفلات النشر، يظل قاصرا عن بناء مواطن قارئ.
ويمتد نقد الروماني إلى موقع الكاتب المغربي داخل السياسات الثقافية، إذ يعتبر أن النهوض بالمكتبات لا ينفصل عن الاعتراف بالمبدعين والباحثين ودعم حضور مؤلفاتهم في الفضاءات العمومية. وفي تقديره، فإن الاهتمام بالمهرجانات والتظاهرات الأدبية لا يكفي لبناء علاقة مستدامة بين القارئ والكتاب المغربي، ما لم يصاحبه عمل يعزز مكانة المؤلف ويوسع فرص وصول الجمهور إلى إنتاجه.
نظرة الروماني تتسع لتربط مستقبل المكتبات بسياق سوسيو-اقتصادي أوسع، يشمل المدرسة، والأسرة، ووضعية الكاتب المغربي. فغرس بذور الشغف لا يمكن أن ينفصل عن توفير معلم مؤهل لتحفيز الأطفال، كما يصطدم بواقع الأسر الهشة. وبنبرة لا تخلو من مرارة، يطرح سؤالا مجتمعياً مباشرا: “كيف يمكن للعامل الذي يكدح بشق الأنفس لتأمين القوت اليومي لأبنائه، أن يقتطع ميزانية منتظمة لاقتناء كتب خارج المقررات المدرسية؟”.
تلك النظرة الشمولية تجعله مقتنعا بأن المكتبة العمومية لا يمكن أن تنجح في رسالتها بمعزل عن السياسات الكبرى للتعليم وتحسين الدخل. وفي استحضار ذكي للثقافة الشعبية لتلخيص المسؤولية المؤسساتية، يستعير الروماني مثلا كانت تردده جدته: “الدروج كيتسيقوا من السطح”؛ في إشارة بليغة إلى أن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينطلق من السياسات العامة للدولة، قبل محاسبة المؤسسات المحلية والمكتبات الصغرى على نتائج تفتقد لأبسط مقومات تحقيقها.
لكن هذه القراءة النقدية القاتمة، تقابلها برمجة رسمية لمشاريع واعتمادات تحاول تدارك الموقف. فبالعودة إلى برنامج عمل جماعة طنجة (2022–2027)، تبرز برمجة مشروع لإعادة تجهيز وصيانة خمسة مرافق ثقافية -من بينها المكتبة الوسائطية ببني مكادة ومكتبة الأندلس- بغلاف تقديري حُدد في ثمانية ملايين درهم من الموارد الذاتية للجماعة.
كما تضمن البرنامج خطوة تحفيزية تحت مسمى مشروع “أجيو نقراو”، بهدف تشجيع مطالعة القرب. ورُصد لهذا المشروع غلاف مالي إجمالي بلغ ثلاثة ملايين درهم (مليونان من التمويل الذاتي، ومليون عبر الشراكات). وحسب توضيحات عصام الغاشي، يشمل هذا المشروع إعادة توظيف المكتبات، إحداث فضاء جديد للقراءة بحديقة “فيلا هاريس”، وتنظيم مبادرات ميدانية للكتاب. وإلى جانب ذلك، يسلط المسؤول الجماعي الضوء على إطلاق مبادرة “ديوان الأدب” سنة 2025، والتي توجت بخلق مكتبة متخصصة حصريا في مؤلفات كُتاب طنجة، والكتب التي توثق تاريخ المدينة وتراثها.
غير أن لغة الأرقام في برامج العمل تتطلب قراءة حذرة؛ فإدراج مشروع ما لا يعني بالضرورة تحقق أهدافه على أرض الواقع. فالغلاف المخصص (8 ملايين درهم) يهم خمسة مرافق ولا يقتصر على المكتبات وحدها، ما يمنع احتسابه كليا ضمن الإنفاق الصافي على القراءة. علاوة على أن الاعتمادات “المبرمجة” لا تعادل آلياً النفقات “المصروفة”، ولا تثبت، بمفردها، أن فضاءات القراءة الموعودة قد فتحت أبوابها فعليا.
هذا الحذر المنهجي يؤكده الغاشي نفسه، مشددا على أن التقييم المالي الدقيق يقتضي افتحاص وثائق تنفيذ الميزانية، والتمييز الصارم بين نفقات الجدران والتجهيز من جهة، ونفقات التسيير والأنشطة من جهة أخرى.
وتجد هذه الإشكالات المحلية امتدادا في نتائج رقابية رسمية حديثة؛ إذ كشف المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره السنوي برسم 2024–2025، عن وجود 81 منشأة ثقافية غير مستغلة على الصعيد الوطني، تمثل نحو 16 في المائة من مجموع الرصيد العقاري للفضاءات الثقافية التابعة للمديريات الجهوية للثقافة، فيما بلغت قيمة الاستثمارات المنجزة وغير المثمنة نحو 305 ملايين درهم.
وأرجع المجلس هذا الوضع إلى ثلاثة أسباب رئيسية، تشمل نقص الموارد البشرية المؤهلة، والتأخر في افتتاح المنشآت الجاهزة ووضعها رهن الاستغلال، فضلا عن الإكراهات المرتبطة بإعادة التأهيل والصيانة. وهي عوامل تتقاطع، من حيث طبيعتها، مع جوانب من الصعوبات التي يطرحها ملف المكتبات العمومية بطنجة، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن المؤسسات موضوع هذا التحقيق مدرجة ضمن قائمة المنشآت التي شملتها الملاحظات الرقابية.
ولم تتوقف الملاحظات عند المرافق غير المستغلة؛ فقد سجل المجلس أن نحو 20 في المائة من أصل 189 اتفاقية أُبرمت خلال الفترة 2018–2024 لبناء وتجهيز منشآت ثقافية، لم يبدأ تفعيلها حتى نهاية دجنبر 2024، مما حال دون إنجاز 39 مشروعا ثقافيا بغلاف مالي مبرمج يفوق 693 مليون درهم. كما رصد 12 مشروعا ثقافيا متعثرا، بكلفة إجمالية تتجاوز 388 مليون درهم، موزعة على جهات مختلفة من المملكة.
وحدد التقرير مجموعة من الأسباب التي ساهمت في هذه التعثرات، من بينها ضعف الضبط المسبق للالتزامات التمويلية، وصعوبات تسوية الوضعية القانونية للعقارات، وعدم وفاء بعض الأطراف بالتزاماتها، إضافة إلى الإكراهات الإدارية والتقنية وضعف التنسيق بين الجهات المتدخلة.
وتضع هذه الخلاصات الرقابية النقاش حول مكتبات طنجة ضمن سياق أوسع يتعلق بنجاعة الاستثمار الثقافي العمومي؛ فالمسألة لا تقف عند توفير الاعتمادات اللازمة لتشييد المرافق، وإنما تمتد إلى إعداد شروط تشغيلها وصيانتها وتوفير الموارد البشرية القادرة على ضمان استمرارية خدماتها بعد انتهاء الأشغال.
مقاربةٌ تعيدنا حتما إلى نقطة الصفر، ألا وهي “مؤشرات الأداء”. فبحسب المسؤول الجماعي، أصبح من الإلزامي اعتماد مقاييس واضحة لا تقبل التأويل: عدد المنخرطين، الإعارات، وتيرة تجديد الرصيد، وحجم تفاعل الأطفال والشباب. ولأن التدبير الثقافي تتقاذفه وصايات متعددة، تبدو الحاجة اليوم ماسة أكثر من أي وقت مضى إلى قاعدة بيانات موحدة ومحينة، تُنير طريق صناع القرار وتوجه الموارد الشحيحة نحو الحاجيات الحقيقية.
مدينة الأدب.. ماذا بعد الاعتراف الدولي؟
في 30 أكتوبر 2025، تُوجت طنجة باعتراف عالمي وازن إثر انضمامها رسميا إلى شبكة “اليونسكو” للمدن المبدعة في مجال الأدب. تتويجٌ يُنصف رصيد المدينة الأدبي وعمقها الثقافي والتاريخي، لكنه، في الوقت ذاته، يضعها أمام مرآة الحقيقة وتحدي تحويل هذا الرصيد الرمزي إلى مشاريع مستدامة يتنفسها السكان في يومياتهم.
وبالعودة إلى الصفحة التعريفية للمدينة على موقع اليونسكو، نجدها تسطر توجهات طموحة؛ أبرزها توسيع دائرة الوصول إلى الأدب عبر إطلاق “قوافل متنقلة”، ربط الأجيال الصاعدة بالقراءة، تشجيع النشر الرقمي، دعم المؤلفين وصناع الكتاب، وتطوير آليات التعاون الثقافي الدولي.
ومن داخل مطبخ الإعداد لهذا الملف، يقدم أحمد فرج الروماني شهادة حية بصفته فاعلا ثقافيا واكب تفاصيل التخطيط. يؤكد الروماني أنه حضر أكثر من جلسة عمل تحضيرية، كاشفا أن مشروع “المكتبات المتنقلة” الموجهة لفك العزلة الثقافية عن الضواحي والقرى، كان من بين أبرز المبادرات التي جرى التخطيط لها لترجمة هذا الاعتراف على أرض الواقع.
وبالفعل، لم تبق وعود “القراءة المتنقلة” حبيسة الورق؛ إذ أطلقت جماعة طنجة، بتنسيق محكم مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، برنامج “الحافلة المتنقلة للكتاب”، الذي جاب شوارع المدينة خلال الفترة الممتدة من 23 دجنبر 2025 إلى 2 يناير 2026.
تضمن البرنامج، وفق معطياته الرسمية، التوقف في محطات مدروسة شملت مؤسسات تعليمية، ومراكز ثقافية، وفضاءات عمومية عبر مختلف المقاطعات. ولضمان شمولية الاستفادة، خُصصت الفترة الصباحية لتلاميذ المؤسسات التعليمية، بينما فُتحت الأبواب مساء لعموم المواطنين، في محاولة جادة لكسر عزلة الكتاب وتقريبه من الأطفال والشباب خارج أسوار المكتبات الثابتة.
غير أن تقييم أثر هذه المبادرة المحددة زمنيا يبقى رهينا بتوفر معطيات دقيقة حول أعداد المستفيدين وحجم الكتب المتداولة. ولا تتيح البرامج المنشورة حتى الآن حصيلة تفصيلية لهذه المؤشرات، كما لا تتضمن خطة معلنة لتحويل التجربة من نشاط ظرفي عابر إلى خدمة متنقلة ومستدامة تغطي بقية أشهر السنة.
ويطرح هذا الواقع مسألة الانتقال من المبادرات ذات الطابع الاحتفالي إلى الخدمات الهيكلية. فمعايير تصنيف “مدينة الأدب” لا تقف عند حدود إحصاء المهرجانات أو استحضار الرصيد التاريخي للكتاب العالميين، بل ترتبط بمؤشرات قياس فعلية ترصد مدى إتاحة القراءة كخدمة يومية ومنتظمة؛ خدمة تصل إلى التلميذ في مدرسته، والشاب في حيه، والباحث في جامعته، دون الارتباط بالمواسم الثقافية.
وهكذا، ترتسم خريطة القراءة العمومية في طنجة اليوم على وقع مفارقات متعددة؛ بين مكتبات تاريخية تنتظر استعادة أرصدتها ووظائفها، ومرافق وسائطية حديثة ترتقب انطلاق خدماتها، وتجارب أخرى تسعى جاهدة لتغيير النموذج الكلاسيكي. واقع يجعل من تحويل هذا الاعتراف الدولي إلى خدمات يومية ملموسة، المعيار الفعلي الذي سيحدد مسار القراءة العمومية في المدينة خلال المرحلة المقبلة.
من يحفظ المكتبة.. ومن يحفظ القارئ؟
لم تكن رحلة البحث في خريطة المكتبات العمومية بطنجة مجرد جرد للبنايات المغلقة أو تلك المفتوحة، بل أماطت اللثام عن أزمة أعمق تتعلق بـ”الحكامة الثقافية” للمدينة. فبين مكتبات تاريخية تغيرت بعض أوجه استعمالها، وأخرى أعيد افتتاحها بعد سنوات من التوقف، ومرافق حديثة تأخر تشغيلها، تكشف المعطيات المتاحة عن صعوبة تتبع الوضع الفعلي لشبكة القراءة العمومية في طنجة. فالإحصاءات الإجمالية والوثائق المنشورة لا تقدم صورة مكتملة عن عدد المستفيدين والإعارات، أو عن كيفية تدبير الأرصدة الوثائقية خلال انتقال بعض المؤسسات أو أشغال ترميمها.
وبهذا المعنى، تتجاوز هذه الحصيلة ذلك التبسيط الشائع الذي يختزل الأزمة في مقولة “الإنترنت ابتلع المكتبات”، كما تُسقط تلك السردية التي تعتمد على لغة البنايات الجديدة للترويج بأن المدينة كسبت رهان القراءة. فالأرقام والوقائع أثبتت أن التحدي الحقيقي يكمن في الهوة بين “الاستثمار في الجدران” و”الاستثمار في الإنسان”، وبين تكديس الكتب وإتاحتها الفعلية لمن يحتاجها.
هذه الخلاصة الجوهرية تتقاطع تماما مع التشخيص الذي قدمه الفاعلون في هذا المشهد. فعصام الغاشي، من موقعه التدبيري، يضع قاعدة أساسية للمرحلة المقبلة حين يؤكد: “لا ينبغي أن نقيس حصيلة العمل الثقافي بعدد المشاريع المعلنة فقط، وإنما بعدد المؤسسات التي تقدم خدمات منتظمة، وبمدى استفادة سكان طنجة منها”.
ومن زاوية مكملة، يعيد أحمد فرج الروماني الإشكالية إلى حاضنتها المجتمعية، مقرا بأن المكتبة، مهما بلغ تطور تجهيزاتها، لن تتحول إلى قلب نابض ما لم تجد سندا متينا في منظومة متكاملة تبدأ من المدرسة، وتمر بالأسرة، وتتوج بسياسات عمومية تضع الكاتب والكتاب في صلب اهتماماتها.
لكن الكلمة الفصل في هذه المعادلة، يطرحها عبد الواحد استيتو انطلاقا من ذاكرته المسكونة بصمت مكتبة “طارق بن زياد”. فبعد استحضار مسار طويل من التحولات التكنولوجية وتغير عادات القراءة، يضع الروائي يده على الهاجس الأكبر الذي يجب أن يؤرق مدبري الشأن الثقافي: “أظن أن السؤال المخيف ليس الحفاظ على المكتبات، بقدر الحفاظ على القارئ”.
وينقل استيتو عن بعض القيمين على المكتبات الذين التقاهم شكواهم من ضعف الإقبال على المطالعة الحرة، مقابل حضور الباحثين والتلاميذ الذين يقصدون هذه الفضاءات للمراجعة والتحضير للامتحانات. ويربط هذه الصورة بتحول المدينة نفسها، إذ يرى أن التوسع العمراني المتواصل لم تصاحبه ثقافة مماثلة لإدماج فضاءات القراءة في المشاريع السكنية الجديدة. ويذهب، من واقع ملاحظاته، إلى التشكيك في أن يكون المستثمرون العقاريون قد منحوا المكتبات مكانا ضمن التجزئات التي أُنشئت خلال سنوات التمدد الحضري. ورغم ذلك، يبقى الأمل معلقا على استعادة الأجيال القادمة لدفء الكتاب الورقي، كملاذ للهدوء والتأمل وسط ضجيج البدائل الرقمية.
ولعل العودة إلى صورة المكتبة في ذاكرة القراء تكشف، أكثر من أي وصف آخر، طبيعة التحدي الذي تواجهه طنجة اليوم، ففي طفولة الجيل السابق، كان ولوج طفل إلى المكتبة يتطلب منه تجاوز نظرات الارتياب والإجابة عن أسئلة الكبار لتبرير شغفه. أما الآن، وبعد مشاريع ثقافية رُصدت لها اعتمادات بملايين الدراهم، بين تشييد مرافق جديدة وترميم مؤسسات تاريخية، أصبحت النتيجة معكوسة، فلم تعد المدينة مطالبة فقط بفتح أبواب مكتباتها، بل باتت ملزمة بتحدٍ أصعب؛ أن تبتكر سببا حقيقيا يمنح أطفال اليوم دافعا لاجتياز عتبة المكتبة للمرة الأولى، وسببا أقوى للعودة إليها.
تندرج هذه المادة ضمن سلسلة “أرقام تروي طنجة”، وهي سلسلة ملفات صحفية معمقة ومدعومة بالبيانات، تضع المشهد الثقافي والذاكرة الحضرية بطنجة تحت المجهر، وتهدف إلى تفكيك واقع البنيات التراثية، ومساءلة مسارات التمويل العمومي، وتتبع التحولات التي طالت الفضاءات الثقافية والأنشطة التقليدية، وصولا إلى تقييم السياسات المحلية بلغة الأرقام.







