كشفت أعمال تنقيب حديثة بجزيرة منورقة الإسبانية عن آثار سكنية تعود للحقبة الأندلسية، حيث تم العثور على منزل بحالة حفظ استثنائية يعود تاريخه إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين.
وسلط هذا الاكتشاف الذي تم بموقع “توري دين غالميس” الأثري، الضوء على نمط عيش الساكنة المسلمة خلال الفترات الأخيرة من التواجد الإسلامي بجزر البليار، ويقدم معطيات تاريخية بالغة الأهمية.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف الأثري في تجاوزه لمجرد أطلال معمارية بسيطة، ليعكس تفاصيل دقيقة عن الحياة اليومية للأسر في تلك الحقبة. فقد أسفرت الحفريات عن استخراج مجموعة من اللقى الأثرية شملت أواني خزفية مخصصة للطبخ وتقديم الطعام وحفظ المؤن، إلى جانب معدات معدنية دقيقة كانت تستعمل في أنشطة الغزل والنسيج، فضلا عن قطع حديدية يرجح الباحثون أنها مكونات لصناديق خشبية كانت تستخدم لحفظ الممتلكات الشخصية للساكنة، مما يتيح إعادة بناء صورة تقريبية لنمط الحياة في ذلك العهد.
وتفيد المعطيات الصادرة عن وكالة “منورقة التالايوطية” التابعة لمجلس الجزيرة والمشرفة على الموقع، بأن هذا المعمار السكني شكل جزءا من تجمع قروي زراعي شيده المسلمون على أنقاض مستوطنة تعود لعصور ما قبل التاريخ.
وقد أبان سكان هذه القرية عن براعة في تكييف البنيات القديمة وتطويعها لتستجيب لمتطلباتهم المعيشية والفلاحية، مما يجعل من هذا الموقع مرجعا أساسيا وتاريخيا لفهم خصائص العمارة القروية الإسلامية في هذه المنطقة من حوض البحر الأبيض المتوسط.
ويشكل هذا الموقع الأثري إحدى أواخر الشواهد المادية الموثقة للوجود الحضاري الأندلسي في جزيرة منورقة، والذي امتد لقرون قبل أن ينتهي بسقوط الجزيرة في يد تاج أراغون بقيادة ألفونسو الثالث أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، وتحديدا سنة ألف ومائتين وسبعة وثمانين.
وتمثل هذه البقايا المعمارية والأدوات المستخرجة وثيقة تاريخية حية تروي فصولا من الأيام الأخيرة للتواجد الإسلامي بالمنطقة قبل التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها.
يشار إلى أن هذا الإنجاز العلمي جاء ثمرة لتعاون دولي مشترك قادته مؤسسات جامعية أمريكية، على غرار جامعتي بوسطن وولاية نيويورك، بتنسيق وثيق مع السلطات المحلية لجزيرة منورقة وهيئات بحثية أوروبية وأمريكية أخرى.
ويعكف الخبراء حاليا على إخضاع اللقى المكتشفة لتحليلات علمية دقيقة تمهيدا لنشر الخلاصات النهائية، مع التخطيط لتطوير نماذج افتراضية تعيد بناء القرية الأندلسية، مما سيتيح للزوار والباحثين مستقبلا فرصة استكشاف هذا التراث واستحضار تفاصيل الحياة في تلك الحقبة الغابرة.







