يتطاير الغبار تحت حوافر الماشية في سوق “الحرارين” الموسمي بمدينة طنجة، بينما يتنقل آباء رفقة أبنائهم بين الحظائر بحثا عن أضحية العيد. لا يحمل الكبش بطاقة ثمن معلقة في عنقه. ولا يجد المشتري لوحة مرجعية ترشده قبل بدء المساومة.
وسط هذا الفضاء التجاري المفتوح، يصبح السعر جزءا من تفاوض مباشر بين البائع والزبون. رقم يخرج من فم التاجر، لا من لائحة معلنة. وقد يتغير، وفق متسوقين، حسب هوية السائل، وطريقة دخوله إلى الحظيرة، وما إذا كان يحمل هاتفا يصور أم محفظة تبحث عن أضحية.
وتأخذ المساومة طابعا مختلفا بمجرد ظهور كاميرات الهواتف. في أحد المقاطع المتداولة على منصات التواصل، يمسك بائع مواش بكبش أقرن، ويرفع صوته أمام عدسة يرجح أنها لأحد صناع المحتوى المحليين قائلا: “ها الرخا عباد الله.. 2500 درهم، واش هاد الحاولي ما يستاهلش هاد الثمن؟”.
بدا العرض، للوهلة الأولى، قريبا من قدرة أسر أرهقتها مصاريف متتالية. غير أن تجربة ميدانية لصانعة محتوى معروفة بطنجة أعادت النقاش إلى نقطة أكثر حساسية.
فقد عادت إلى السوق بصفة مشترية عادية، مستعينة بكاميرا خفية، بعد جولة سابقة ذات طابع مهني، لتوثق ما قالت إنه تباين بين أثمان تقدم أمام الكاميرات وأخرى تعرض خلال المساومة المباشرة.
وبذلك تحولت كاميرات الهواتف، في سوق الحرارين، من أداة لنقل الأجواء إلى عنصر يضغط على بعض الباعة لتقديم صورة أكثر ليونة عن الأسعار.
أما في غيابها، فيجد الزبون نفسه أمام مفاوضة مفتوحة، لا تستند إلى ثمن ظاهر أو وزن معلن أو تصنيف واضح.
ويشتكي متسوقون من غياب إشهار الأثمان داخل السوق. ففي المراكز التجارية الكبرى، يرى المواطن سعر السلعة قبل اقتنائها، مهما كان مرتفعا أو منخفضا.
أما في سوق الأضاحي، فيظل السعر معلقا في لسان البائع، قابلا للتبدل حسب لحظة السؤال وهيئة الزبون وحضور الهاتف أو غيابه.
وتأتي هذه الممارسات في ظرف تحاول فيه السلطات ضبط أسواق الأضاحي قبل العيد. ففي 20 ماي 2026، دخل قرار لرئيس الحكومة رقم 3.26.26 حيز التنفيذ، بعد نشره في الجريدة الرسمية عدد 7509، مقررا تدابير مؤقتة لتنظيم تسويق وبيع الأضاحي إلى غاية 29 ماي.
ويحظر القرار كل الأعمال المدبرة أو الاتفاقات الصريحة أو الضمنية التي يكون الغرض منها، أو قد يترتب عنها، ارتفاع غير مبرر في أسعار الأضاحي.
كما يحصر البيع داخل الأسواق المخصصة والمرخصة، مع إلزام البائعين بالتصريح لدى السلطة الإدارية المحلية بهوياتهم، وعدد الأضاحي المعروضة للبيع، ومصدرها قبل الولوج إلى السوق.
وفي هذا السياق، تحركت السلطات المحلية داخل سوق الحرارين. وأظهرت صورة ميدانية قائدة الملحقة الإدارية 24 مكرر وهي تقود حملة مراقبة داخل الفضاء، مرفوقة بعناصر من السلطة والقوات العمومية، بعد رصد اختلالات مرتبطة بتنظيم البيع وسلوك بعض المتدخلين.
واستهدفت الحملة، وفق معطيات محلية، مراقبة هويات مستغلي الحظائر، ومسالك الولوج إلى السوق، ومحاصرة ممارسات إعادة البيع والمزايدات المفتعلة، في إطار التدابير الحكومية الرامية إلى الحد من المضاربة وحماية القدرة الشرائية.
غير أن ما كشفته مقاطع الحرارين يضيف وجها آخر للمشكلة. فالأمر لا يتعلق فقط بالوسطاء أو “الشناقة” أو بمحاولات تخزين الأضاحي خارج قنوات التسويق. يتعلق أيضا بسوق لا يرى فيه الزبون السعر قبل السؤال، ولا يمتلك مرجعا يقارن به بين حظيرة وأخرى.
لهذا يصبح غياب بطاقة الثمن جزءا من معركة الشفافية. فحين يعلن بعض الباعة أرقاما مخفضة أمام الكاميرا، ثم تعرض أرقام أخرى عند البيع، تتحول المساومة من تقليد تجاري مألوف إلى مساحة رمادية يدفع ثمنها المواطن.
في سوق الحرارين، لا يبحث الزبائن فقط عن كبش مناسب للعيد. يبحثون أيضا عن ثمن يصمد بعد انطفاء العدسة.







