لم تعتد مدينة طنجة، بموقعها الفريد بين المحيط الاطلسي والبحر الابيض المتوسط، على درجات حرارة تلامس 43 درجة مئوية.
لكن صيف 2025 غيّر المعادلة، وجعل سكان المدينة يعيشون اياما خانقة وليالي دافئة على غير العادة، دفعت كثيرين للتساؤل: هل تغير المناخ بلغ ابواب الشمال؟
في منتصف غشت، سجّلت محطة الارصاد الجوية بطنجة درجة حرارة بلغت 42.8 درجة مئوية، وهي واحدة من اعلى القيم المسجلة في تاريخ المدينة، بفارق طفيف عن الرقم القياسي الذي يعود لصيف 2003.
ولم يكن هذا اليوم استثنائيا وحيدا، بل جزءا من سلسلة موجات حر متعاقبة، دفعت الاجساد والعقول الى حافة الانهاك.
وتعد طنجة مدينة بحرية بامتياز، حيث تمتد شواطئها من الغرب نحو الاطلسي، حيث اشقار وسيدي قنقوش، وتفتح شمالا وشرقا على البحر الابيض المتوسط، عبر خليجها الممتد من راس سبارطيل الى مرقالة.
ولقد كان موقعها هذا دائما مصدر اعتدال في مناخها، بفعل تأثير النسائم البحرية والرطوبة المعتدلة. لكن هذا الصيف، تغير كل شيء.
ويفسر الخبراء هذه الوضعية بتركيبة من العوامل الجوية: رياح “الشركي” القادمة من الجنوب، والتي تحمل معها حرارة وجفافا من قلب الصحراء، تزامنت مع موجة حر بحريّ على مستوى المتوسط، جعلت مياه البحر اكثر دفئا من المعتاد، وافقدت السواحل الشرقية للمدينة قدرتها التقليدية على التبريد الليلي.
ويعاني سكان احياء مثل بير الشفا، بني مكادة، مسنانة، والمغوغة وحتى مرقالة من صعوبة التأقلم، حيث باتت الحرارة خانقة في النهار، مرهقة في الليل، وسط شعور بعدم فعالية التهوية الطبيعية المعروفة عن طنجة في مثل هذا الوقت من السنة.
وتؤكد بيانات علمية ان هذه الحرارة ليست عابرة. فالمتوسط المناخي لدرجات الحرارة العظمى في طنجة خلال شهر غشت لا يتجاوز عادة 30 درجة مئوية، ومع ذلك شهدت المدينة هذه السنة اياما متتالية فاقت الاربعين، ودرجات دنيا (ليلية) نادرا ما نزلت تحت 26، وهو ما يعني ان الجسم لا يحصل على فترة “استراحة” خلال الليل.
وحسب منظمة “بيركلي ايرث”، فان البحر الابيض المتوسط سجل هذا الصيف حرارة سطحية تجاوزت 26.6 درجة، في اعلى قيمة شهرية منذ بداية الرصد العلمي، ما جعل موجات الحر البحرية تمتد نحو السواحل وتجعل لياليها دافئة ورطبة، حتى في مدن كانت تعد ملاذا من القيظ.
ولا تقف هذه الظواهر عند حدود طنجة، لكنها تزداد وضوحا في مدينة لم تعرف طيلة عقود صيفا بهذه الحدة. ووفق تقديرات مناخية، فان شمال المغرب يشهد منذ عقود ارتفاعا تدريجيا في درجات الحرارة بمعدل يقارب 0.2 درجة مئوية لكل عقد، لكن تسارع الظواهر المتطرفة خلال السنوات الاخيرة ينذر بتحول عميق في مناخ المنطقة.
ويحذر متخصصون من ان موجات الحر ستصبح اكثر تكرارا، وذات تأثير اكبر على الصحة العامة، خصوصا في المدن التي تعاني من نقص التشجير، وغياب التهوية الطبيعية، وازدياد البناء الاسمنتي.
في طنجة، بدأ البعض يطرح اسئلة لم تكن مألوفة قبل سنوات: هل نحتاج لانظمة تبريد جماعية؟ هل تخطيط المدينة يأخذ بعين الاعتبار التغير المناخي؟ هل يكفي فتح النوافذ بعد اليوم؟







