منسوب الثقة في المؤسسات تآكل بشكل غير مسبوق، ليس لأن الناس يميلون بطبعهم إلى التشكيك، بل لأن السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي أنتج حالة من التراكم الثقيل للخذلان.
المواطن، خصوصا من الجيل الجديد، لم يعد ينظر إلى الحياة العامة من خلال عدسة الخطاب السياسي، بل من خلال أثره المباشر على تفاصيله اليومية.
والمدارس التي تتراجع جودتها عاما بعد عام، والمستشفيات التي توصد أبوابها أمام الحالات المستعجلة، اولإدارات التي لا تقدم سوى الوعود المؤجلة، هي مشاهد متكررة أسهمت في إعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والدولة.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد فقدان الثقة موقفا معزولا أو مؤقتا، بل صار هو القاعدة التي يتموقع داخلها ملايين الشباب، الذين يشعرون بأن أحدا لا يستمع إليهم إلا حين تشتد الأزمة أو ترتفع أصوات الغضب.
فقدان الثقة، بحد ذاته، ليس خطرا على الدولة، بل قد يكون فرصة للمراجعة والتصحيح، شريطة أن يقابل بقرارات تستجيب لما يتجاوز التوقعات الخطابية.
غير أن ما يضعف هذه الفرصة هو الانزلاق المتسارع نحو العدمية، التي تختلف تماما عن التشكيك أو الغضب الواعي.
العدمية موقف نفسي وسياسي قائم على رفض كل شيء، لا فقط الأشخاص أو السياسات. هي قناعة جماعية بأن الفساد غير قابل للإصلاح، وبأن المؤسسات مجرد واجهة، وبأن الممارسة السياسية لا جدوى منها.
هذا التموقع العدمي يجعل الحوار مستحيلا، والمشاركة عبثا، والنقد مضيعة للوقت. والأسوأ من ذلك، أن هذا الميل المتزايد إلى العدمية يجد تغذيته من سلوك بعض الفاعلين العموميين الذين يكرسون الرداءة، ويعيدون إنتاج نفس الخطاب القديم بلغة شبابية فارغة من المضمون.
ومع ذلك، لا بد من تذكير من يحتاج التذكير، أن المغاربة، في مجملهم، ليسوا جمهور تصعيد دائم ولا عشاق فوضى. هم من أطيب خلق الله، وأكثرهم ميلا لترجيح المصلحة العامة حتى على حساب مصالحهم الخاصة. هذه ليست رومانسية سياسية، بل حقيقة تاريخية وثقافية يعرفها من عاش في هذا البلد وعرف أهله عن قرب.
المغربي يقبل أن يصبر، وأن يتأخر، وأن ينتظر، حين يشعر بأن مشروع الوطن يسير فعلا نحو وجهة أوضح. لكنه لم يعد يقبل أن يُطلب منه الصبر في كل شيء، بينما تُهدر موارده في شعارات لا تُترجم، وبرامج لا تترك أثرا، وخطط لا تغادر الورق. ما كان يسمى سابقا “الثقة التلقائية”، انتهى مفعولها. والجيل الجديد لم يعد يقتنع بسهولة، ولا يغفر بسرعة، ولا ينسى حين يُخدع.
في هذا السياق المعقد، لم يكن الخطاب الملكي الأخير بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية خطاب مجاملة أو تسوية، بل كان بمثابة مراجعة هادئة لأسس العلاقة بين الدولة والمواطن، وخاصة الشباب.
فعندما يؤكد الملك محمد السادس أن “التحول الكبير الذي نسعى إلى تحقيقه… يقتضي تغييرا ملموسا في العقليات وفي طرق العمل”، فهو لا يوجه الكلام إلى الإدارة وحدها، بل إلى بنية ذهنية تقاوم التجديد، وتخاف من المساءلة، وتعتقد أن التغيير يكون فقط بإعادة تسمية نفس المشاريع.
أما حين يقول إن “العدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق المجالية ليست مجرد شعار فارغ… وإنما نعتبرها توجها استراتيجيا”، فإن الخطاب هنا لا يبرر واقعا، بل يدعو إلى إعادة الاعتبار لمطلب فقد الكثير من وزنه في الوعي الجماعي بسبب سوء التدبير لا ضعف المبدأ.
هذه اللغة، التي جاءت مباشرة ومجردة من البلاغة الإنشائية، تضع الدولة في موقف من يرى المشهد من أعلى لكنه لا ينكره، وتخاطب النخب والمؤسسات بلغة تحملها مسؤولية استرجاع ما ضاع، لا فقط من ثقة، ولكن من معنى. لأن الأزمة، في جوهرها، لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت وجودية بالنسبة لفئة واسعة من المواطنين.
والمؤسسات اليوم مطالبة باستعادة ما هو أبعد من المشروعية القانونية أو الدستورية، إنها مطالبة باستعادة المشروعية المعنوية، تلك التي تمنحها القدرة على مخاطبة المواطن من موقع المصداقية، لا من موقع التبرير.
الجيل الجديد ليس ضد الدولة، كما يتوهم البعض. ولكنه ضد التجاهل، وضد الانتظارية، وضد ترحيل الأزمات من دورة انتخابية إلى أخرى. هو جيل لم يعد ينخدع بالخطاب الإنشائي، ولا يقنعه شرح الميزانيات، بل يسأل عن الأثر، عن الفرق بين الأمس واليوم، عن الوعود التي لم تجد طريقها إلى الواقع. وهذا ما يفسر جزئيا الإشارات المباشرة التي وردت في الخطاب الملكي، حين شدد على أن “لا نقبل أي تهاون في نجاعة ومردودية الاستثمار العمومي”، وهي رسالة سياسية وإدارية على حد سواء، تسائل كل من يستفيد من موقع القرار دون أن يقدم أثرا ملموسا.
المعادلة الآن لم تعد تحتمل الالتباس: إما أن تتجاوب الدولة بمنطق النتائج لا بمنطق النوايا، وإما أن تتعزز العدمية كبديل مدمر لكل أفق سياسي. والمؤسسات الوسيطة، من أحزاب ونقابات وجماعات منتخبة، لم تعد في موقع من يمكنه الدفاع عن نفسه بسهولة. لقد انكشف ضعفها التنظيمي، واهتزت صورتها الرمزية، ولم تعد تمتلك اللغة التي تخاطب بها الجيل الجديد، لا لأن هذا الجيل معقد أو غير واقعي، بل لأنه جيل لم يتلق غير الإهمال، ولم ير من السياسة سوى آثارها المعطلة في حياته اليومية.
إن الخطاب الملكي، بهذا الوضوح، لا يبرئ أحدا، ولا يمنح صكوك غفران لأي جهة. بل يفتح الباب أمام مواجهة مكشوفة بين واقع مأزوم وإرادة تصحيح. وإذا لم تتجاوب معه المؤسسات بعقلية جديدة وسلوك مختلف، فإن الشارع لن يبقى ساكنا، ولن تظل العدمية مجرد موقف هامشي. هي اليوم على الهامش، نعم، لكن الهامش حين يفقد الأمل، يعرف كيف يتحول إلى مركز.







