لم يعد إقليم “الفحص أنجرة” مجرد رقعة جغرافية عابرة في التقسيم الإداري للمملكة، بل تحول، بفعل القرارات السيادية الكبرى، إلى “قمرة قيادة” للاقتصاد الوطني.
نحن نتحدث عن مجال ترابي يحتضن مجمع طنجة المتوسط، الذي تربع على عرش موانئ إفريقيا والبحر المتوسط بمعالجة تجاوزت 8.6 مليون حاوية، ويضم منظومة صناعية لصناعة السيارات تصدر مئات الآلاف من العربات، وعلى رأسها مصنع رونو-ملوسة.
ورغم هذه المؤشرات الاقتصادية الكبرى، ظل الإقليم يعيش مفارقة “السرعتين”: سرعة التدفقات العالمية، وسرعة الواقع المحلي الذي لا يزال يتعثر في تضاريس الهشاشة.
في هذا السياق الدقيق، تأتي المصادقة على تصميم تهيئة الشريط الساحلي متزامنة مع تعيين قيادة ترابية جديدة للإقليم، لتشكل لحظة مفصلية تتجاوز الإجراءات التقنية.
إن هذا التغيير في رأس هرم الإدارة الترابية لا يجب قراءته كإجراء روتيني يخص “تجديد النخب”، بل كتنزيل ميداني متجدد لما يصطلح عليه بـ “المفهوم الجديد للسلطة”. هذا المفهوم، الذي أرساه الملك محمد السادس منذ بداية عهده، لا يرى في رجل السلطة مجرد حارس للنظام العام، بل يعتبره فاعلا تنمويا مكلفا برعاية المصالح العمومية، وتطبيق سياسة القرب، وضمان الحريات الفردية والجماعية.
إن استحضار “المفهوم الجديد للسلطة” في حالة الفحص أنجرة يكتسي خصوصية بالغة؛ فالعامل الجديد ليس مدعوا فقط لتدبير الشأن اليومي، بل هو مطالب بلعب دور “الوسيط الاستراتيجي” بين فاعل اقتصادي عملاق يتمثل في الوكالة الخاصة طنجة المتوسط وبين ساكنة محلية تطمح لأن ينعكس هذا الثراء على قراها ومداشرها.
هنا يكمن جوهر السلطة في صيغتها المواطنة: القدرة على خلق التقائية فعالة بين الاستثمارات الرأسمالية الكبرى وبين البرامج الاجتماعية الوطنية وعلى رأسها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لضمان ألا تبقى عائدات المناطق اللوجستية والصناعية بملوسة والقصر الصغير مجرد أرقام في التقارير المالية، بل تتحول إلى مشاريع ملموسة تفك العزلة وتدعم البنية التحتية الاجتماعية.
إن الوثيقة التعميرية الجديدة، بهذا المعنى، هي أداة بيد السلطة الترابية لتحقيق العدالة المجالية. فالمفهوم الجديد للسلطة يقتضي اليوم توسيع دلالة “حفظ النظام العام” لتشمل في جوهرها حماية “التماسك الاجتماعي”، عبر الحرص على أن تستفيد الجماعات الترابية من العائدات الجبائية للمناطق الصناعية، وأن تعطى الأولوية لأبناء المنطقة في التكوين والتشغيل، تفعيلا لمبدأ تكافؤ الفرص.
ختاما، إن الرهان في الفحص أنجرة اليوم هو رهان وجودي يتعلق بترجمة الشعارات الكبرى إلى واقع ملموس. فالنجاح الحقيقي للإدارة الترابية لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات المستقطبة، بل بمدى قدرتها على تجسيد فلسفة “المفهوم الجديد للسلطة” التي تجعل من المواطن—سواء كان في أعالي الجبال أو على أرصفة الميناء—محورا للتنمية لا مجرد متفرج عليها. إنها معركة لكسب رهان الثقة، وبناء نموذج تنموي تتصالح فيه الحداثة الاقتصادية مع الكرامة الإنسانية.







