لا يحتاج الزائر لحي حيضرة، الواقع على تخوم مدينة الفنيدق، إلى كثير من الوقت ليلتقط حجم المفارقة.
هنا، تحضر المدينة في الوثائق الإدارية وتصاميم التهيئة، لكنها تتراجع عند أول مسلك ترابي. بيوت متناثرة، مجال مفتوح، وهدوء لا يكسره سوى الإحساس بأن هذه الرقعة أدخلت إلى المجال الحضري قبل أن تمتد إليها أدوات التمدن.
على الطريق المؤدية إلى حيضرة، تبدو المسافة نحو قلب الفنيدق قصيرة جغرافيا، لكنها أطول بكثير في ميزان الخدمات. فلم يغادر المكان طابعه شبه القروي بعد، رغم أنه بات، رسميا وقانونيا، جزءا من المدار الحضري للمدينة.
هنا لا تقاس الحياة بتوسع عمراني مألوف، بل بحالة انتقال معلقة؛ أرض رُسمت معالمها على الورق، وساكنة ما تزال تقيس اندماجها بما يصل إلى عتبات بيوتها من ماء، وطريق معبدة، وإنارة، ونقل، ومدرسة قريبة.
مدينة في الوثائق فقط
ويكسر فاعل جمعوي من أبناء المنطقة هذا الصمت الميداني قائلا: “حيضرة لم يعد خارج الفنيدق على الورق، لكنه ما زال خارجها في الإحساس اليومي للسكان”.
ويضيف في دردشة مع طنجة 24، وهو يتحدث عن هشاشة البنية التحتية: “المشكل ليس في إدراج الحي داخل المدار الحضري، بل في أن هذا الإدراج لم ترافقه شبكة خدمات تجعل الساكن يشعر بأنه يعيش داخل مدينة، لا على هامشها”.
ولا تقتصر أهمية حيضرة اليوم على كونه تجمعا سكنيا طرفيا. فالحي يوجد على تماس مباشر مع مشاريع تهيئة ذات بعد اقتصادي، يفترض أن تساهم في إعادة توجيه بوصلة الفنيدق بعد سنوات من الارتباط الهش بالأنشطة غير المهيكلة المحيطة بمعبر باب سبتة المحتلة.
غير أن الانتقال نحو اقتصاد منظم لا يتحقق بمجرد تخصيص أوعية عقارية أو الإعلان عن مشاريع مهيكلة. بل يحتاج الأمر إلى محيط اجتماعي قادر على استيعاب التحول، وإلى ساكنة ترى في هذه المشاريع فرصة مباشرة، لا عناوين كبرى تمر بمحاذاتها.
في أزقة حيضرة ومسالكها، لا تقرأ الساكنة التهيئة في الجريدة الرسمية أو في خرائط التعمير، بل في الحفر التي تعيق السير، وفي العتمة التي تلف مسارات العودة مساء، وفي الانقطاعات، وفي العناء الذي تواجهه سيارات الإسعاف أو وسائل النقل المدرسي للوصول إلى بعض النقط.
وكلما تعثرت خدمة أساسية، يعود السؤال نفسه: هل دخل الحي فعلا إلى المدينة، أم أن المدينة اكتفت بإدخاله إلى وثائقها؟
مشاريع كبرى وخدمات تنتظر
“نسمع كثيرا عن المشاريع، لكن الساكن يريد أن يرى أثرا مباشرا”، يقول الفاعل الجمعوي نفسه. ويضيف: “لا يمكن أن نتحدث عن منطقة اقتصادية ومشاريع مهيكلة، فيما بعض الأسر ما زالت تشعر بأن الطريق والإنارة والماء والنقل مطالب يومية لا امتيازات إضافية. المدينة تبدأ من هذه الأشياء الصغيرة”.
ويكشف هذا التفاوت الميداني نقطة ضعف واضحة في مقاربة إدماج المجالات الطرفية. فحين يسبق التخطيطُ التجهيزَ، يظل الحي معلقا بين وضعيتين؛ لم يعد قرية تُدار بمنطق المجال الهامشي، ولم يصبح حيا يتمتع بكامل حقوق المجال الحضري من خدمات وعدالة مجالية وتكافؤ في الولوج إلى المرافق.
وتعكس حيضرة جزءا من التحولات التي تعيشها الفنيدق برمتها. فالمدينة، التي ارتبطت لسنوات بتحولات المعبر وباقتصاد حدودي هش، تبحث اليوم عن بدائل أكثر تنظيما عبر مناطق الأنشطة والمشاريع الاقتصادية المندمجة.
لكن نجاح هذه البدائل لا يقاس فقط بعدد الهكتارات المجهزة للاستثمار، بل بقدرتها على إنتاج أثر محلي ملموس: فرص شغل، ربط طرقي، نقل عمومي، وتجهيزات تجعل المجال الجديد جزءا حيويا من نسيج المدينة.
وسط هذا المشهد المعلق بين زمنين، زمن الهامش والعزلة وزمن التهيئة والمشاريع، لا تبدو مطالب أبناء حيضرة معقدة.
فااسكان لا يبحثون عن وعود كبرى بقدر حاجتهم إلى برنامج واضح يقلص الفجوة بين الوضع القانوني والواقع الفعلي. الطريق يجب أن تكون مدخلا لا عائقا. الإنارة يجب أن تنهي الإحساس بالعزلة. والماء والكهرباء والتطهير والنقل لا يمكن أن تبقى مؤشرات على “اللحاق” بالمدينة، بل شروطا أولية للانتماء إليها.
يلخص الفاعل الجمعوي هذه الحالة بكلمات مقتضبة: “أبناء حيضرة لا يريدون أن يبقوا مجرد جيران لمشاريع كبرى، بل يريدون أن يكونوا جزءا منها. إذا كانت المنطقة الاقتصادية ستقام في محيطنا، فمن الطبيعي أن نسأل عن نصيبنا من التشغيل والطرق والتأهيل. لا نريد أن يرى الناس شاحنات الورش تعبر، ولا يرون المدرسة والطريق والإنارة”.
هنا، في حيضرة، لا تطلب الساكنة أكثر من أن تصبح فعليا جزءا من المدينة التي انتمت إليها على الورق. ذلك وحده كفيل بتحويل الإدماج من قرار إداري جاف إلى إنصاف مجالي يعيد الاعتبار إلى أطراف الفنيدق.







