في الأيام الأولى من الحملة الانتخابية بطنجة، ظهر جمال العسري وسط جولة لتحالف اليسار في أحياء وسط المدينة، إلى جانب وكيل لائحته بدائرة طنجة أصيلة عمر بنعجيبة وعدد من النشطاء.
لم يكن العسري مرشحا يتقدم الصف بحثا عن مقعد، بل أمينا عاما لحزب الاشتراكي الموحد جاء إلى مدينة ارتبط بها جزء كبير من مساره المهني والنقابي والسياسي لدعم تجربة توحيد جزء من اليسار المغربي.
العسري ليس من مواليد طنجة. ولد في أكادير في 11 أكتوبر 1967، لكنه استقر في المدينة واشتغل سنوات أستاذا بالتعليم الثانوي التأهيلي بثانوية عباس السبتي بحي كاسبراطا، وحصل سنة 2018 على الدكتوراه في الأدب العربي. ومن المدرسة والنقابة إلى العمل الحزبي، تحولت طنجة إلى إحدى المحطات الأساسية في مساره.
قبل الوصول إلى قيادة حزب الاشتراكي الموحد، مر العسري من تجربة نقابية وسياسية امتدت لسنوات. اشتغل في الداخلة، وانخرط في منظمة العمل الديمقراطي الشعبي منذ التسعينيات، وتولى مسؤوليات داخل النقابة الوطنية للتعليم، قبل أن يصبح أحد الوجوه المرتبطة بالحركة اليسارية والحقوقية في طنجة.
وفي شوارع المدينة، ظهر اسمه بوضوح خلال حركة 20 فبراير سنة 2011. كان عضوا في التنسيقية المحلية الداعمة للحركة بطنجة، وشارك في اللقاءات المرتبطة بتنظيم مسيراتها. وبعد أكثر من عقد، ما زال يعود إلى تلك التجربة باعتبارها مرجعا سياسيا لمطالب الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة.
هذا القاموس لم يتغير كثيرا في خطاب العسري. بالنسبة إليه، تعريف اليسار لا يبدأ باسم الحزب أو رمزه، بل بما يصفه بالمواقف والممارسة والقرب من قضايا المواطنين والعمل النقابي والاجتماعي. وفي شتنبر الجاري قال إن الانتماء اليساري لا يقاس بالشعارات، بل بالمشاركة في الحركات الاجتماعية والدفاع عن مطالب المواطنين.
في نونبر 2023 انتقل العسري من موقع القيادي المحلي والوطني إلى رأس الحزب الاشتراكي الموحد، خلفا لنبيلة منيب. ومنذ ذلك الحين جعل توحيد قوى اليسار أحد محاور خطابه السياسي. وفي ماي 2026 دخل حزبه في تحالف مع فيدرالية اليسار الديمقراطي، وقال العسري إن الهدف هو بناء إطار أوسع يقوم، وفق خطاب التحالف، على الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
لكن قصة العسري في طنجة تحمل مفارقة انتخابية واضحة. فهو يعرف المدينة من المدرسة والنقابة والاحتجاج والعمل الحزبي، إلا أن هذا الحضور لم يتحول في انتخابات 2021 إلى نتيجة انتخابية كبيرة. فقد قاد حينها لائحة الحزب الاشتراكي الموحد في دائرة طنجة أصيلة، وحصلت اللائحة على 1410 أصوات، بحسب النتائج التي نقلتها الصحافة المحلية.
وتطرح هذه النتيجة سؤالا يواجه اليسار عموما، كيف ينتقل من حضور داخل النقابات والجامعات والجمعيات والاحتجاجات إلى قاعدة انتخابية أوسع؟
العسري نفسه يقدم إجابة تقوم على الجمع بين المؤسسات والشارع. ففي حوار نشر في فبراير 2026، قال إن حزبه يعتبر العمل داخل البرلمان والمجالس المنتخبة مكملا للمشاركة في الحركات الاجتماعية والنقابية، فيما يضع في خطابه قضايا التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وربط المسؤولية بالمحاسبة ضمن أولويات المشروع اليساري.
ومع انتخابات 2026، اتخذ وجوده في طنجة شكلا مختلفا. تحالف اليسار دفع بالمحامي عمر بنعجيبة لقيادة اللائحة المحلية، بينما ظهر العسري في الحملة مساندا ومشاركا في التواصل الميداني. وبذلك انتقل من موقع المرشح الذي قاد اللائحة في 2021 إلى موقع الأمين العام الذي يدعم وجها آخر داخل التحالف.
وفي خطاب العسري، تظل فكرة توحيد اليسار مركزية. التحالف بين الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار لا يقدمه الطرفان باعتباره ترتيبا انتخابيا فقط، إذ ينص ميثاقهما على العمل بعد الانتخابات من أجل هيكلة دائمة والتنسيق داخل البرلمان إذا سمحت النتائج بذلك.
هكذا يتحرك جمال العسري بين ثلاثة فضاءات صنعت مساره في طنجة، المدرسة التي اشتغل فيها أستاذا، الشارع الذي عرفه ناشطا في 20 فبراير والعمل النقابي، والحزب الذي أوصله إلى منصب الأمين العام.
وإذا كانت الانتخابات تقيس الأحزاب بالأصوات والمقاعد، فإن تجربة العسري تكشف رهانا آخر داخل اليسار المغربي، وهو إبقاء مفاهيم الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية حاضرة في النقاش العام، ثم محاولة تحويلها من خطاب سياسي ونقابي إلى اختيارات وبرامج قابلة للاختبار أمام الناخبين.







