ليس في الامر تعبئة تقليدية، ولا مجرد رد فعل عابر. من خرجوا لم ينتظروا نداءات سياسية، ولا اصطفوا خلف لافتات موجهة، بل تحركوا تحت ضغط يومي يتقاسمه اغلبهم: عجز عن مواصلة العيش بالشكل المعتاد، وتعب نفسي لا يجد ما يخفف من وطأته. لم يكن التحرك منظما، لكنه لم يكن فوضويا. كانت هناك ملامح لوعي يتشكل في الشارع، ولو من خارج المؤسسات.
واذا كان المشهد قد اتخذ اشكالا متفاوتة من مدينة الى اخرى، فان طنجة وتطوان قدمتا مثالا لامكانيات التعبير السلمي عندما يُترك الشارع لتقديره.
خرج شباب، وهتفوا، وعبّروا عن ضيقهم، ثم انسحبوا دون عنف، ودون استفزاز، ودون ان يتركوا وراءهم ما يسهل استهدافهم به. لا زجاج مكسور، ولا مرافق عامة مخربة، ولا مواجهات مع القوات العمومية. هذا الانضباط لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج حد ادنى من الوعي الجماعي بحدود اللحظة، وبما يجب فعله وما يجب تجنبه.
لكن هذا السياق الميداني لم يخلُ من التوتر. فقد حضرت الاجهزة الامنية بتأهب واضح، وكان تدخلها حاسما في اكثر من موقع. حدث تفريق بالقوة، وسُجل شد وجذب ميداني، ولم يخلُ المشهد من صرامة قد تُفهم احيانا باعتبارها رسالة اكثر منها اجراء وقائي.
ومع ذلك، لم تنفلت الامور الى مواجهة مفتوحة، ولم تتكرر مشاهد القمع الشامل كما في تجارب سابقة.
هذا التوازن، وان كان هشا، حافظ على الحد الادنى من سلمية الوضع، لكنه لا يلغي الحاجة الى مساءلة اعمق لخيارات الدولة في التعامل مع التعبير الجماعي.
وفي قلب هذه المفارقة، تبرز المعضلة الحقيقية: كيف يمكن لهذا الشكل من الاحتجاج ان يستمر دون ان يُستنزف، وكيف يمكن للدولة ان تستوعب الرسالة دون ان تختزلها في اجراءات امنية.
فالاحتجاج، بقدر ما هو صوت غضب، فهو ايضا نداء لفتح باب مغلق. غير ان هذا الباب لا يُفتح من الشارع وحده، بل من داخل المؤسسات، عبر قنوات واضحة وممكنة. والمطلوب ليس تبني مطالب الشارع حرفيا، بل الاعتراف بشرعيتها من حيث المبدأ، والتفاعل معها بسياسات لا تقتصر على التهدئة، بل تتجه فعليا نحو المعالجة.
ولعل من اهم ما يجب التمسك به في هذه اللحظة، هو تثبيت القناعة بان لا احد، سواء في الشارع او في موقع القرار، يسعى الى دفع البلد نحو المجهول. لا احد خرج ساعيا الى خراب، ولا احد نزل الى الميدان بنية التخريب.
وحتى من اصدر التعليمات الامنية تحرك من خلفية تتعلق بالحفاظ على النظام، وليس برغبة في الاصطدام.
لكن ما بين الجانبين، هناك فراغ يجب ان تملأه السياسة، ويجب ان تستعيد فيه الوساطة مكانتها قبل ان يُفرض البديل من خارجها.
واذا كان البعض قد اختار المواجهة في اماكن اخرى، فان ما وقع في طنجة وتطوان يثبت ان الشارع لا ينفجر تلقائيا، بل حسب الطريقة التي يُدار بها. وهذا النموذج، رغم هشاشته، قابل للبناء عليه.
فالسلمية لا تستمر من تلقاء نفسها، بل تحتاج الى ضمانات حقيقية، والى مؤسسات تسمع وترد. كما تحتاج الى وعي داخلي بان الحقوق تُنتزع من داخل الهياكل، لا من خارجها، وان التكوين والتعليم والانخراط ليست بدائل عن الاحتجاج، بل امتداد له في الزمن الطويل.
وهنا بالتحديد، يستقيم العنوان مع الواقع: لا احد يريد غير الخير لهذا الوطن، لكن هذا الخير لا يُصنع بالنوايا، بل بالفعل. ولا يُنجز بالصمت، بل بالكلام المنصت والمبادرة.
فمن خرج محتجا، لا يريد ان ينقض على البلد، بل يريد مكانا فيه. ومن اصدر التعليمات، لا يرغب في العنف، بل يحاول تجنبه. وبين الاثنين، تبقى الدولة مسؤولة عن ملء المسافة، وصون ما تبقى من الثقة، قبل ان يضيع كل شيء في سوء الفهم.







