على مقربة من الرافعات العملاقة في أوراش البناء الممتدة من منطقة مالاباطا في الشرق إلى أشقار في الغرب، يصطدم الحصول على شقة سكنية بلهيب الأسعار وشروط التمويل المصرفي الصارمة.
وتكشف معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لعام 2024 أن نسبة تفوق 42 في المائة من الأسر بعمالة طنجة أصيلة تكتري مساكنها، مقابل 28 في المائة على المستوى الوطني، فيما لا تتجاوز نسبة الأسر المالكة لمساكنها في العمالة سبعة وأربعين في المائة.
وبينما أعلنت الحكومة في برنامجها المقدم أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026 عن توجهها لإحداث عرض وطني للسكن المخصص للكراء، تعود صيغة الكراء المفضي إلى التمليك إلى الواجهة كحل محتمل.
غير أن هذه الآلية، التي لم تتضح بعد علاقتها بالتصور الحكومي الجديد، تواجه مخاوف من التفاف شبكات الوسطاء عليها. فالأحياء التي كانت تصنف ملاذات للطبقة المتوسطة، مثل مسنانة وبني مكادة وبئر الشفاء والعوامة، باتت مسرح لضغط عقارية تجعل السومة الكرائية تستنزف مداخيل الأسر، رغم وجود مساكن شاغرة وأخرى مخصصة للإقامة الثانوية.
سوق العقار الموازية وعقدة “النوار”
في أحد المقاهي الشهيرة المطلة على شارع مولاي إسماعيل، حيث يعقد سماسرة العقار صفقاتهم بمعزل عن المكاتب الرسمية، لا يثير الحديث عن المشروع الحكومي حماس المستثمرين بقدر ما يفتح الشهية لابتكار حيل جديدة.
ويكشف وسيط عقاري قديم في المدينة كيف تشتغل الآلة الخفية للسوق، موضحا أن العقار في طنجة تحكمه السيولة النقدية الفورية. ويضيف أن أي مالك أو منعش عقاري يقبل بتفويت شقته عبر أقساط كرائية تمتد لعشر أو خمس عشرة سنة، سيفرض تسبيق غير مصرح به تحت الطاولة لتأمين هامش ربحه وتفادي الضريبة.
تعد ظاهرة المبالغ غير المصرح بها المعروفة بالنوار، العقدة الأكثر تعقيد التي تهدد بنسف فلسفة المشروع في طنجة
هذا الواقع يعري الفجوة بين التشريع وممارسات السوق. فالقانون رقم 51.00 المتعلق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار، والموجود في رفوف التشريع المغربي منذ عام 2003، صمم ليكون بمثابة عقد شفاف يلتزم بمقتضاه البائع بنقل الملكية بعد فترة انتفاع. غير أن هذا النص لم يسجل انتشارا ملموسا في طنجة، في ظل غياب معطيات منشورة حول حجم العقود المبرمة وفق هذه الصيغة.
وتعد ظاهرة المبالغ غير المصرح بها المعروفة بـ”النوار”، العقدة الأكثر تعقيد التي تهدد بنسف فلسفة المشروع في طنجة. وقد بلغت هذه الإشكالية قبة البرلمان، حيث تناول سؤال برلماني موجه إلى وزارة الاقتصاد والمالية في يونيو 2025 المطالبة غير المشروعة بأداء النوار في المعاملات العقارية، مع الإشارة إلى زيادات قد تصل إلى أربعين في المائة من قيمة العقار.
وتشير مصادر مهنية في قطاع التوثيق بالمدينة إلى أن إسقاط هذه الممارسة على عقود الكراء المفضي إلى التمليك سيفرغها من محتواها الاجتماعي.
ويتساءل المهنيون عن قدرة أسرة عجزت عن توفير الدفعة الأولى للقرض المصرفي، على توفير مبالغ تتراوح بين خمسين ومائة ألف درهم تدفع بشكل نقدي كإتاوة غير قانونية، دون توفر ضمان قانوني يحمي هذه المدخرات في حالة فسخ العقد.
هواجس المستثمر بين التحصين القانوني ومخاطر التعثر
أمام المخاوف من تلاعب شبكات الوساطة، جاءت التعديلات التشريعية التي حملها القانون رقم 041.25 الصادر في يوليو 2026 لتغلق إحدى الثغرات، عبر تعديل المادة الرابعة من القانون المنظم للإيجار المفضي إلى التمليك. وأوجب التعديل تحرير هذه العقود بموجب محرر رسمي تحت طائلة البطلان، مع إلغاء إمكانية تحريرها بعقود ثابتة التاريخ.
هذا الإجراء يضيق الطريق أمام الالتزامات العرفية، لكنه لا يلغي بالكامل سطوة الوسطاء. ويوضح باحثون في الشأن العقاري بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة أن الموثق يضمن سلامة العقد والأمن العقاري، لكنه لا يملك سلطة رقابية على ما يدور خارج مكتبه. وفي ظل أزمة العرض، يجد المواطن نفسه مضطر للرضوخ لشروط الوسطاء قبل الوصول إلى التوثيق.
يؤكد أحد كبار المنعشين العقاريين بالمنطقة أن مطالبة المستثمر بانتظار تحصيل ثمن الشقة على مدى عقدين هي مجرد خيال اقتصادي
تثار تساؤلات بشأن مدى استعداد المنعشين العقاريين في طنجة للمغامرة برساميلهم في هذه الصيغة. فالدينامية العمرانية في عاصمة البوغاز تقوم على دورة رأس مال سريعة، مما يدفع المنعش إلى بيع الشقق فور انتهاء الأشغال لسداد التزاماته. ويؤكد أحد كبار المنعشين العقاريين بالمنطقة أن مطالبة المستثمر بانتظار تحصيل ثمن الشقة على مدى عقدين هي مجرد خيال اقتصادي.
ويضيف المتحدث ذاته أن الهاجس الأكبر يكمن في مخاطر التعثر عن الأداء. ففي مدينة يرتبط النسيج الشغلي بقطاعات متقلبة كالنسيج ومناولة السيارات والخدمات اللوجستية، قد يفقد المكتري عمله، ليجد المنعش نفسه عالق في مساطر قضائية معقدة لإفراغ العقار.
التدخل المؤسساتي كشرط لنجاح البرنامج الحكومي
تكشف قراءة الأزمة أن ترك آلية الكراء المفضي إلى التمليك لقانون العرض والطلب الحر قد يجعلها فريسة للمضاربين. وتمنح التجارب السابقة لهذه المخاوف أبعاد إضافية، بعدما سجلت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن نظام التحفيز على الاستثمار في السكن الكرائي الاجتماعي بالمغرب لم يستقطب حتى نهاية 2022 سوى اتفاقية واحدة شملت خمسين وحدة سكنية.
ويرى خبراء الاقتصاد الحضري أن فك هذه الشيفرة يقتضي تدخل مؤسساتي. وتتجه الأنظار إلى ابتكار وسيط مالي ضامن، بحيث تتولى أذرع الدولة العقارية مثل مجموعة العمران، أو صناديق استثمارية بشراكة مع المصارف والجماعات الترابية، اقتناء حصص من المشاريع السكنية، ثم طرحها للمواطنين عبر بوابات رقمية، مع دراسة ربطها ببرنامج الدعم المباشر للسكن. وبهذه الهندسة يمكن ضمان مستحقات المنعش، وحماية المواطن من الابتزاز المالي.
تتجه الأنظار إلى ابتكار وسيط مالي ضامن، بحيث تتولى أذرع الدولة العقارية أو صناديق استثمارية اقتناء حصص من المشاريع السكنية
وتبرز في طنجة مفارقة يصعب تجاوزها، فالتوسع المتواصل في البناء لا يقابله اتساع مماثل في فرص امتلاك السكن. وإذا احتفظ المنعشون العقاريون بأسعار البيع الحالية، وأضافوا إليها كلفة تقسيط الثمن ومخاطر التعثر، فقد تنتهي الصيغة الجديدة إلى استبعاد الأسر التي يفترض أن تستفيد منها.
وهكذا، لن تقاس جدوى الكراء المفضي إلى التمليك بعدد الشقق المعروضة أو العقود المبرمة، بل بمدى قدرة الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط على تحمل الأقساط، والانتقال من وضعية الكراء إلى الملكية دون الوقوع مجددا تحت رحمة السماسرة والمضاربين.







