تضع الدعوات المباشرة إلى “العصيان” والنزول إلى الشارع، التي بثها مؤخراً المدعو هشام جيراندو عبر منصات التواصل الاجتماعي من خارج التراب الوطني، مقاربة التعاطي مع المحتوى الرقمي الموجه للداخل المغربي أمام منعطف أمني وقانوني حاسم.
وتتقاطع هذه الخطابات التصعيدية مع سياق جنائي معقد يتسم بصدور أحكام قضائية ثقيلة في حق المعني بالأمر تصل إلى 15 سنة سجناً نافذاً، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول الآليات الدبلوماسية والقضائية المتاحة لتطويق التهديدات العابرة للحدود وضمان سيادة القانون.
ويشير تحليل المضمون للخرجات الرقمية الأخيرة إلى تحول استراتيجي وخطير في طبيعة الخطاب الموجه للجمهور المغربي. فلم يعد الأمر مقتصراً على استهداف شخصيات ومؤسسات وطنية عبر ادعاءات أو تسريب معطيات غير محققة، بل انتقل بشكل صريح ومباشر إلى مرحلة التعبئة الميدانية والتحريض على التمرد.
ويمثل هذا الانتقال من الفضاء الافتراضي إلى محاولة التأثير الفعلي في الشارع العام ، وفقا للمراقبين، مسعى متعمداً لنقل حالة الاستقطاب الرقمي إلى الواقع المعيش، مستهدفاً إحداث حالة من اللايقين الأمني والإخلال بالنظام العام.
ويعكس هذا التحول التصعيدي استنفاذ الخطاب التعريفي السابق لأغراضه، مما دفع منشئه نحو تبني قاموس صدامي يستخدم لغة التمرد والعصيان المدني لضمان استمرار المتابعة والتأثير. وهو وضع يضع الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون والمؤسسات الأمنية أمام تحديات هيكلية تتجاوز مكافحة الجريمة الإلكترونية والتشهير الرقمي الكلاسيكي، لتشمل ضرورة استباق التهديدات المباشرة الماسة بأمن الدولة الداخلي.
وتتطلب هذه التهديدات حداً أقصى من اليقظة، بالنظر إلى طبيعة المنصات المفتوحة التي تتيح انتشاراً واسعاً وسريعاً للمحتوى التحريضي في ظرفية إقليمية شديدة الحساسية تتطلب تحصين الجبهة الداخلية.
ولا يمكن قراءة الدعوات الحالية بمعزل عن الوضعية القانونية والجنائية لمنشئها. ويمثل حكم محكمة الاستئناف بالرباط، الصادر غيابياً في 8 ماي 2025، والقاضي بإدانة جيراندو بخمسة عشر سنة سجناً نافذاً، نقطة الارتكاز المرجعية في هذا الملف. إن التهم الموجهة إليه، والتي شملت “تكوين عصابة ذات طابع إرهابي” و”التحريض على ارتكاب أعمال إرهابية”، أخرجت القضية تماماً من دائرة قانون الصحافة والنشر أو الجنح التأديبية المرتبطة بالسب والقذف، لتدرجها صراحة ضمن المقتضيات الصارمة لقانون مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
ويمنح هذا التكييف الجنائي الثقيل رئاسة النيابة العامة والسلطات القضائية إطاراً صلباً للتعاطي مع أي خرجات لاحقة. فكل دعوة للتصعيد أو النزول إلى الشارع تُفسر في العرف القانوني كاستمرار مادي في النشاط الإجرامي الذي أُدين به المعني بالأمر مسبقاً. وفي هذا السياق، تواصل فرق الشرطة القضائية المتخصصة في الجرائم السيبرانية توثيق هذه الانتهاكات الرقمية، مما يعزز من الطابع الجرمي لتهمة التحريض، ويضفي مشروعية قانونية مضاعفة على مذكرات البحث الوطنية والدولية الصادرة في حقه.
ويثير استخدام منصات توجد خوادمها خارج المملكة، من قبل شخص يقيم في دولة أجنبية، إشكالية الاختصاص القضائي الممتد واستغلال قوانين الهجرة أو اللجوء. وفي هذا الصدد، تُجمع المواثيق الدولية، بما فيها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على أن حرية التعبير ليست حقا مطلقا غير مقيد. فهذه الحرية تخضع لضوابط قانونية صارمة وتسقط فوراً عندما يتعلق الأمر بالتحريض الصريح على العنف، أو بث خطاب الكراهية، أو المساس بالأمن القومي والنظام العام للدول.
وتشير التحليلات القانونية المتطابقة إلى أن الخطاب الداعي لتخريب المؤسسات وزعزعة الاستقرار لا يتمتع بأي حماية دستورية أو حقوقية، سواء في بلد المنشأ أو في بلد الإقامة. هذا المعطى الواقعي يضع الدولة المضيفة أمام مسؤولياتها المباشرة المترتبة عن قواعد القانون الدولي، والتي تفرض على الدول التزاماً صريحاً بعدم السماح باستخدام أراضيها كقاعدة خلفية لشن حملات تحريضية أو تنفيذ أعمال عدائية تستهدف استقرار دول ذات سيادة تربطها بها علاقات تعاون أمني واقتصادي متينة.
ويسلط هذا الملف الاستثنائي الضوء على التعقيدات العملية المرتبطة بتفعيل آليات التعاون القضائي والأمني الدولي في مجال الجرائم السيبرانية. فبالرغم من وجود شبكة من الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف لمحاربة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، إلا أن تباين النظم القانونية الداخلية يخلق مساحات رمادية طالما استُغلت للإفلات من المحاسبة الجنائية، وهو ما يفرض تحديات دبلوماسية موازية للعمل القضائي.
ومع ذلك، فإن التراكم الموثق للسوابق القضائية، والوضوح التام للغة التحريض المباشر في التسجيلات المرئية الأخيرة، يوفران للمملكة المغربية ملفاً قانونياً متكاملاً ودامغاً للترافع أمام السلطات الأجنبية المعنية ومنظمة المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول).
إن التمادي في استغلال الفضاء الرقمي لغايات تخريبية لا يشكل فقط تحدياً أمنياً ظرفياً للمغرب، بل يفرض على المنتظم الدولي ضرورة التعجيل بتحيين الترسانة القانونية لمواجهة الإرهاب الرقمي، وسد الثغرات التي تتيح تحويل شبكات التواصل الاجتماعي إلى منصات لاستهداف السلم الأهلي للدول والمجتمعات.







