جولتنا لهذا الأسبوع قادتنا إلى منبع الجمال الطنجي، منطقة تهدارت، حيث يمتزج رونق الطبيعة الخلابة بعبق التاريخ العريق، فيحير الزائر بين الإستمتاع بجمال وبهاء المنظر الخلاب وبين استحضار أصالة وإبداع الإنسان القديم من خلال الأثار المعمارية التي تركها الرومان بهذا المكان.
هذه المنطقة الغنية بالثروات الطبيعية، تقع في مكان إستراتيجي رائع، حيث تحدها مدينة أصيلة من الغرب وطنجة من الشمال، فيما تقع بين سدي إبن بطوطة و 9 أبريل من الشرق والجنوب، وهو ما جعلها المتنفس المفضل لسكان المدينتين الراغبين في الإبتعاد عن ضغوط الروتين، والإستفادة من سويعات من التأمل في العظمة الإلهية.
فبمجرد أن تخطوا خطوتك الأولى بهذا المكان، تكتشف أنه لا يشبه أي منطقة أخرى زرتها من قبل، حيث تعتبر “تهدارت” من المناطق الرطبة النادرة على الصعيد العالمي التي تتميز بتنوع طبيعي متباين، فتجد فيها النهر والبحر، والغابة والرمل، والجبال والسهول، والهضاب والمروج، في جمع غريب بين المتناقضات يضفى رونقا ويمنح جمالية للمكان.
وتمتاز منطقة “تهدرات” بغلاف نباتي يحتوي على مؤهلات بيئية رائعة، حيث تجد فيها عددا من النباتات الطبية والعطرية المتماثلة مع تلك الموجودة بمنطقة الاندلس، والتي يبقى من اهمها (السحتر والفليو والخزامة البرية والريحان…)، ما يعكس تشبع منطقة الشمال على العموم وطنجة ونواحيها على وجه الخصوص، بأصولها التاريخية الممتدة إلى جنوب إسبانيا حتى في الجانب المتعلق بالأعشاب والنباتات.
زيارتك لـ “تهدارت” تجعلك من بين الأشخاص القليلين في العالم ممن شاهدوا نوعا نادرا من الطيور، حيث تعتبر المنطقة المكان الوحيد الذي يوفر مناخا مناسبا لطائر الحبارى الملتحية المهدد بالإنقراض نظرا لتناقص أعداده بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية، كما يعتبر الوجهة المفضلة للعديد من الطيور المهاجرة التي تحط الرحال بأعداد كبيرة في منظر يشد الإنتباه.
جولتنا بمنطقة “تهدارت” كشفت لنا عن وجه جديد للمكان، قلما يهتم به الزائرون ولا يفطن لأهميته المسؤولون، فالمنطقة تحتوي على موقع تاريخي يتكون من بقايا أثرية لتجمع سكني ومصانع للخزف وحفر لتنقيع السمك المملح يعود للفترة البونية المورية (القرن السادس – القرن الأول ق.م.) والتي تتزامن مع مرحلة التواجد الروماني بمدينة طنجة ونواحيها.
وفوق “القوس” المتربع على قمة أعلى مكان بالمنطقة، غابت الشمس عن الأنظار وخف ضوءها تدريجيا، وصمتت الطيور عن زقزقتها المباحة، وتركت الدور لكائنات الليل علها تحيي ماضي عريق كان في يوم من الأيام حيا، ومعه تنتهي جولتنا هذه التي نضرب لكم معها موعدا أسبوعيا.





