يقف مجلس مدينة طنجة، قبل أقل من سنة على نهاية ولايته، أمام معادلة صعبة: رئيس بالنيابة يدير شؤون المدينة بعد اعتقال العمدة، وبرنامج عمل بأكثر من 24.6 مليار درهم، لا تزال مشاريع عديدة منه تنتظر الإنجاز، وسط تحديات مالية وإدارية تفرض ترتيب الأولويات قبل استحقاقات 2027.
وعقد المكتب المسير، الأربعاء، اجتماعا برئاسة محمد الغيلاني الغزواني لوضع خارطة طريق للفترة المتبقية، وفق بلاغ للجماعة.
وتولى الغزواني المهمة بعد الاعتقال الاحتياطي للعمدة منير ليموري على خلفية تحقيق قضائي مرتبط بالانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر الماضي. ولا يزال ليموري يتمتع بقرينة البراءة.
ويتحدث البلاغ عن تسريع معالجة الملفات وتحسين التنسيق مع المصالح الإدارية والسلطات المحلية، دون أن يقدم حصيلة لما أنجز من البرنامج أو يحدد المشاريع التي ستحظى بالأولوية.

وكان الغزواني قد ترأس يوما قبل ذلك اجتماعا مع المصالح التقنية خصص للاستعداد لموسم الأمطار والوقاية من الفيضانات.
وتواجه الرئاسة بالنيابة مهمة تتجاوز ضمان استمرارية المرافق اليومية لمدينة يقطنها أكثر من 1.2 مليون نسمة، إلى متابعة مشاريع متفاوتة في مراحل إنجازها، بعضها مرتبط باتفاقيات مع مؤسسات حكومية وشركاء آخرين، بينما تنتظر تجهيزات بلغت مراحل متقدمة من التأهيل دخولها الخدمة.
وكان المجلس قد صادق في فبراير 2024 على برنامج عمل الفترة 2022-2027، الذي يضم 185 مشروعا موزعة على 16 برنامجا، باستثمارات تقديرية تتجاوز 24.6 مليار درهم. غير أن المبلغ لا يمثل اعتمادات تتحملها الجماعة وحدها، بل يشمل مساهمات شركاء متعددين، وهو ما يجعل تنفيذ البرنامج رهينا بالتزامات تتجاوز سلطة المجلس المباشرة.
تأهيل متقدم وأبواب لا تزال مغلقة
ويلخص مصير ساحة الثيران التاريخية “بلاصا طورو” جانبا من صعوبات المرحلة. فقد أعلنت الجماعة في يناير 2025 أن الأشغال بلغت 95 بالمائة في مشروع تصل كلفته إلى 70 مليون درهم، ساهم المجلس فيه بـ40 مليونا. وبعد نحو عامين من هذا الإعلان، لا تزال المعلمة مغلقة أمام الجمهور.
ويفسر مصدر جماعي ذلك بأن المشروع لا يقتصر على ترميم البناية التاريخية، بل يشمل فضاء متعدد الوظائف يضم قاعات للمعارض والعروض الثقافية ومرافق تجارية وخدماتية، بطاقة استيعابية مبرمجة تصل إلى 7000 مقعد.

وأوضح المصدر أن تقدم أشغال الترميم لا يعني بالضرورة استيفاء شروط التشغيل واستقبال الجمهور، مشيرا إلى أن الجماعة أحدثت شركة التنمية المحلية “ثقافة طنجة”، التي تأسست سنة 2025، لتدبير المنشآت الثقافية والفنية داخل المعلمة.
لكن المصدر لم يقدم موعدا للافتتاح، موضحا أن تحديد الأسباب التقنية والإدارية الدقيقة للتأخر يتطلب الرجوع إلى المعطيات المحينة لدى مختلف الجهات الشريكة والمشرفة على المشروع.
مصدر جماعي: تحديد الأسباب التقنية والإدارية الدقيقة لتاخر افتتاح “بلاصا طورو يتطلب الرجوع إلى المعطيات المحينة لدى مختلف الجهات الشريكة والمشرفة على المشروع.
وبينما تنتظر “بلاصا طورو” استقبال زوارها، فإن مشاريع أخرى ستتجاوز الولاية الحالية بحكم جداولها الزمنية. فإعادة بناء سوق كاساباراطا، باتفاقية شراكة بقيمة 500 مليون درهم وبنحو 4550 محلا تجاريا، تمتد إلى سنة 2028، في مشروع يرتبط بمستقبل أحد أبرز المراكز التجارية الشعبية في المدينة.
وفي بحيرة الرهراه، التي خصص لتأهيلها نحو 9.4 ملايين درهم، أثار ظهور تشققات وانجرافات في أجزاء من الفضاء تساؤلات بشأن جودة الأشغال وتأخر افتتاح المرفق أمام السكان.
وطالب المستشار الجماعي عمر ابن عجيبة، في يوليوز الماضي، بتوضيحات حول التأخر ونتائج الخبرات التقنية، فيما وصلت القضية إلى البرلمان عبر سؤال كتابي موجه إلى وزارة الداخلية.
تعرضات بالآلاف على تصميم المدينة
أما ملف تصميم تهيئة مقاطعة طنجة المدينة، فيرتبط بمستقبل التوسع العمراني وحقوق الملاك والاستثمار العقاري في واحدة من أكثر مناطق المدينة تعرضا للضغط العمراني.
وسجل البحث العلني حول المشروع بين فبراير ومارس أكثر من 1500 تعرض، قبل أن يناقشه المجلس في دورة استثنائية في أبريل الماضي، علما أن المصادقة النهائية تخضع لمساطر تشارك فيها مؤسسات أخرى.

وتتجاوز أهمية الوثيقة حدود الإجراءات الإدارية، إذ تحدد استعمالات الأراضي والتجهيزات العمومية والتوجهات العمرانية للسنوات المقبلة، بما ينعكس مباشرة على مصالح السكان والملاك والمستثمرين.
ويجعل تداخل اختصاصات الجماعة مع الوكالة الحضرية والسلطات المعنية بالتعمير من هذا الملف مثالا آخر على المشاريع والقرارات التي لا يستطيع المجلس حسمها بصورة منفردة، مهما بلغت أهمية التعجيل بها.
ميزانية بمليار درهم والتزامات متزايدة
ويواجه المجلس هذه الملفات في ظل التزامات مالية تمتد إلى ما بعد ولايته. فميزانية 2027 تتوقع مداخيل بقيمة 1.242 مليار درهم، لا تمثل الموارد الذاتية منها سوى 516.9 مليون درهم، أي نحو 41.6 بالمائة، بينما يأتي الباقي من الرسوم المحولة وحصة الضريبة على القيمة المضافة.
وكانت المداخيل المحصلة قد بلغت 864.6 مليون درهم حتى نهاية شتنبر، بزيادة 6.6 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، في تحسن يخفف من ضغوط التحصيل، لكنه لا يحسم وحده مسألة تمويل المشاريع والخدمات.
وتضع هذه الأرقام المجلس أمام تحدي الموازنة بين النفقات الجارية والالتزامات الاستثمارية، خصوصا أن المدينة تشهد توسعا عمرانيا متواصلا يزيد الضغط على خدمات النظافة والإنارة وصيانة الطرق والفضاءات العمومية.

وتبرز هذه المسؤوليات اليومية في التحركات الأولى للرئاسة بالنيابة، التي خصصت اجتماعا للاستعداد لمخاطر الفيضانات، قبل الانتقال في اليوم التالي إلى بحث خارطة طريق المشاريع والملفات المفتوحة.
ومع اقتراب نهاية الولاية، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه هذه الاجتماعات من قرارات ونتائج، في وقت لا يرتبط فيه مستقبل بعض المشاريع بالموارد المالية وحدها، بل أيضا بمدى تقدم الإجراءات التقنية والعقارية والإدارية والتزامات المؤسسات الشريكة.
وبين مشاريع تنتظر التشغيل وأخرى تستمر أشغالها إلى ما بعد 2027، تبدو الأشهر المقبلة مرحلة فاصلة في تحديد ما سيستكمله المجلس الحالي، وما سيتركه للمجلس القادم من أوراش والتزامات.







