لم تكن مدينة طنجة يومها في قلب الصراع، ولم تكن تطوان ولا الحسيمة ولا شفشاون مدرجة ضمن “خطوط التعبئة الاستراتيجية” للمسيرة الخضراء.
لكن ذلك لم يمنع أبناءها من أن يعبّروا عن انخراطهم الهادئ في لحظة فارقة من تاريخ المغرب، حيث لم تكن الجغرافيا هي من يقرر من يشارك، “بل كانت الوطنية وحدها كافية”.
في خريف 1975، وبينما كانت أنظار العالم متجهة جنوبا نحو الصحراء، كانت هناك مدن في أقصى شمال المملكة تُعِد بصمت قوائم متطوعيها. من طنجة، تطوان، الحسيمة، وشفشاون، تحرك ما مجموعه 4700 مواطن ومواطنة، على بعد آلاف الكيلومترات من مسرح المسيرة، دون أن يكونوا مدفوعين بقرب ترابي، أو رهانات محلية، بل “بشعور أخلاقي بأن نداء الوطن لا يُجاب بالحسابات”.
هذا الرقم، رغم تواضعه العددي — ما يمثل حوالي 1.34% من مجموع المتطوعين البالغ 350,000 حسب الخطاب الملكي — يكتسب قيمة مضاعفة حين يُقرأ ضمن شروطه الزمكانية. ففي تلك الحقبة، لم تكن مدن الشمال تمتلك البنى التحتية ذاتها، ولا آليات التنظيم اللوجستي المرنة.
ومع ذلك، تشكلت القوافل، وعبَرت البلاد نحو الجنوب “كما لو أنها كانت تتحرك داخل حيز جغرافي واحد: اسمه المغرب”.
من طنجة وحدها، تحرك 500 مشارك. من تطوان، 1500. ومن الحسيمة، المدينة الجبلية الوعرة، أتى 2200. بينما أرسلت شفشاون، الوديعة بين الجبال، 500 آخرين. ومن بين هؤلاء، 450 امرأة لم تُثنهنّ المسافة ولا وعورة الطريق.
ولم تكن هذه المشاركة تعويضا عن غياب، ولا تجمّلا بمشهد وطني. بل كانت ترجمة لصيغة مغربية أصيلة لفهم السيادة: “أن تكون حيث ينبغي أن تكون، حتى وإن لم تكن في الحسابات الأولية”.
وربما تكون قيمة هذا الانخراط الشمالي نابعة من كونه لم يكن مفروضا، ولا كان مدفوعًا بمصلحة مباشرة. فالشمال، وهو يشهد على البحر ويطل على أوروبا، “لم تكن له خصومة حدودية مع أحد. لكنه شارك. لا فقط كجهة إدارية، بل كفكرة مغربية كاملة”.
في ذلك الزمن، كانت المسيرة الخضراء لحظة اختبار لهوية جماعية. وقد نجحت مدن الشمال، بكل خصوصياتها، في أن تقول كلمتها دون صخب. فالوحدة لم تكن في الأرقام، بل في الإجماع. والإجماع لم يكن نتيجة تعبئة أمنية، بل ثمرة ثقة في الملك وفي مستقبل وطن.
اليوم، حين تُستعاد مشاهد المسيرة في الوثائق والاحتفالات، يندر أن تُذكر طنجة أو تطوان أو الحسيمة كحاضرة. “لكنها كانت هناك، بصمت المتطوعين، وخطى لم تُسجّل بالكاميرات، لكنها سُجّلت في سجلّ السيادة”.






