تتصاعد شكاوى مستعملي معبر باب سبتة الرابط بين مدينة الفنيدق والثغر المحتل، بسبب الصعوبات المرتبطة بفترات الانتظار الطويلة وتعقيدات الإجراءات التنظيمية، في مشهد يعكس التحديات المتعددة التي تفرضها إدارة حدود مع تراب لا يزال خاضعا للاحتلال الأجنبي.
وفيما يعتبر العديد من المسافرين أن هذه الصعوبات تقتضي مضاعفة الجهود لتحسين شروط العبور وتحديث آليات التفتيش والمراقبة، تؤكد السلطات المغربية أنها باشرت في تنفيذ إجراءات جديدة تروم الرفع من جودة الخدمات الجمركية وضمان انسياب حركة التنقل، ضمن مقاربة تأخذ بعين الاعتبار المعطيات السيادية والأمنية الخاصة، التي تجعل من كل حركة عبور نقطة تماس حساسة بين واقع الاحتلال والمطالب المشروعة باستكمال الوحدة الترابية.
وتتمثل أبرز مظاهر التذمر التي عبر عنها مستعملو المعبر في طول الانتظار، ونقص الموارد البشرية في نقاط التفتيش المغربية، إضافة إلى ضعف تجهيزات الفحص الآلي، مما يخلق اكتظاظا ملحوظا خلال الفترات ذات الكثافة المرتفعة. وهي صعوبات بدأت السلطات في معالجتها عبر سلسلة من التدابير التنظيمية واللوجستيكية.
وقد كشفت وزارة الاقتصاد والمالية، في جواب رسمي موجه إلى مجلس النواب، أن إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة شرعت في تفعيل حزمة من الإجراءات، شملت تعزيز الموارد البشرية بالممر الحدودي الذي يشتغل حاليا بـ 90 عونا جمركيا، إلى جانب دعم المديرية الجهوية لتطوان الحسيمة بـ 126 عونا إضافيا، في أفق الاستمرار في التوظيف التدريجي إلى غاية 2027.
وتتوزع التدابير الجارية بين تحديث التجهيزات وتهيئة الفضاءات المخصصة لعبور الأشخاص والعربات، من خلال تركيب مظلات واقية وسقف خفيف بمسلك الراجلين، وبناء مقر جديد لمكتب الجمارك، فضلا عن تعزيز تجهيزات المراقبة بكاميرات تعتمد تقنية تحليل الصور والفيديو بالذكاء الاصطناعي.
كما جرى تزويد الأعوان بمعدات متطورة تتيح فحص المركبات دون تفريغها، من بينها الماسحات الضوئية، وكواشف الوقود، وآليات التصوير بالأشعة، إلى جانب وسائل تقنية متخصصة في الكشف عن المواد المحظورة ومكونات التهريب المحتمل. وتؤكد الوزارة أن هذه الإجراءات تندرج ضمن مقاربة استباقية تهدف إلى مواكبة التحولات المهنية والتقنية وتوفير شروط لائقة للعاملين والمرتفقين، خاصة خلال فترات الذروة.
ويؤكد مصدر مطلع أن السلطات المغربية، وعيا منها بدقة الرهانات المرتبطة بمعبر باب سبتة، تعتمد مقاربة تدريجية تروم تطوير البنية التحتية وتعزيز فعالية العبور، دون الإخلال بمقتضيات السيادة الوطنية ومتطلبات ضبط الأمن في نقطة حدودية بالغة الحساسية.
ويعتبر تدبير معبر باب سبتة جزءا من رؤية شاملة تروم، في أفق منظور، دمج المناطق الحدودية في الدينامية التنموية الوطنية، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويسهم في فك الارتباط الاقتصادي والنفسي مع الثغرين المحتلين.
ويندرج ذلك ضمن التوجه الاستراتيجي الذي أطلقته المملكة لتأهيل الشريط الساحلي الشمالي، من خلال مشاريع كبرى كمنطقة الأنشطة الاقتصادية بالفنيدق ومخططات تنموية تراهن على استعادة الجاذبية الاقتصادية للمدن المجاورة.
وفي مقابل ذلك، يعتبر عدد من المتابعين أن بعض الخطابات الإعلامية التي تميل إلى إبراز صورة “المثالية” للجانب الإسباني في إدارة المعبر، تتجاهل عمق الإشكالات المرتبطة باستمرار الاحتلال، وتسعى إلى الترويج لمقاربات قاصرة عن إدراك التعقيد الجيوسياسي للوضع الحدودي المغربي، الذي لا يُقاس فقط بمستوى الخدمات الآنية بل بعمق الرهانات السيادية المطروحة.
ولا تخفي عدة فعاليات مدنية تنشط في المناطق الشمالية مطالبتها بتحسين ظروف العبور، لكنها في الوقت نفسه تعبر عن وعيها بأن معبر باب سبتة ليس مجرد نقطة عبور بين مدينتين، بل رمز لمرحلة تاريخية دقيقة، تقتضي قدرا عاليا من الحذر واليقظة، ريثما تستكمل المملكة المغربية استرجاع كافة أراضيها المغتصبة وفق مبادئ الشرعية الدولية وروح الإجماع الوطني.
وفي هذا الإطار، تتكامل التحركات الجارية لتحسين شروط العبور مع الأوراش المفتوحة لتعزيز التنمية المحلية بالمناطق المتاخمة للثغرين المحتلين، في مسعى يروم تأهيل هذه المجالات اقتصاديا واجتماعيا، وتعزيز شعور الانتماء الوطني، ودعم مقومات الصمود في وجه كل محاولات استغلال الوضع الحدودي من طرف أطراف معادية للوحدة الترابية للمملكة.
وبينما تتواصل بعض الاختلالات الظرفية في إدارة حركة العبور، تبقى مؤشرات التحسن قائمة بفضل الدينامية الإصلاحية التي أطلقتها السلطات المختصة، والتي من شأنها أن تسهم في الأمد المتوسط في تكريس صورة معبر باب سبتة كواجهة سيادية تزاوج بين الفعالية التنظيمية واحترام متطلبات الدفاع عن المصالح الوطنية العليا.
وتؤكد كل المؤشرات أن المملكة المغربية ماضية بثقة في ربط معالجة الاختلالات التقنية بترسيخ المقاربة السيادية، وفق تصور استراتيجي يجعل من تدبير معابر الشمال جزءا لا يتجزأ من مسار تحصين المكتسبات الوطنية، في أفق تحقيق السيادة الكاملة على مجموع التراب الوطني.







