بخطى واثقة، تمتد طنجة كل يوم في اتجاه البحر، تزرع الإسمنت في تلالها وتغرس الزجاج على أطراف المدار. مدينة تتوسع كما لو أنها تعلن حربا على المسافة، وتبني كما لو أنها تطارد ظلا لا يريد أن يُدرك.
ولكن خلف هذا الاندفاع العمراني المحموم، تَكمُن مفارقة قاسية: طنجة التي تكبر، لا تنمو. المدينة التي تزداد بريقا في الواجهات، تأكل أطرافها بهدوء في الداخل.
في مسنانة، حيث الطرق المؤدية إلى المطار تمر على بُعد خطوات، وحيث المراكز التجارية الكبرى لا تبعد سوى أمتار، يكفي أن تنعطف إلى إحدى الأزقة لتنتقل إلى عالم مغاير تماما. فقر، عشوائية، فوضى، وشعور غامر بأن الزمن توقف هناك عند أول ورشة بناء لم يكتمل فيها شيء. أزقة تنفتح على انحدارات ترابية، وبيوت تنبت فوق سفوح بلا سند، وساحات تحوّلت إلى مسارح يومية للتهميش.
وحين تلتفت نحو بوخالف، وتحديدا مجمع العرفان الذي أُنجز عام 2006 لتقليص العجز السكني، تتكشف صورة أكثر تعقيداً: مجمع سكني ضخم يضم حوالي 18 ألف وحدة، تحوّل شيئاً فشيئا إلى “كيتوهات” للفوضى، ومأوى للظواهر الاجتماعية الأكثر إيلاما… من تعاطي المخدرات، إلى التسكع، إلى قاصرات يحملن أطفالا رُضّع، في مشاهد تُنذر بانهيار قيمي قبل أن تكون مؤشرا لفشل حضري. في هذا الحي او المجمع تُحكى فيه شهادات عن قاصرين هاربين من مدن بعيدة، عن مبحوث عنهم يختبئون خلف أبواب مهترئة، وعن شقق تسكنها العتمة أكثر مما يسكنها الضوء.
لكن القصة أعمق من ذلك. ذات زمن، كانت بوخالف ومحيطها تزود طنجة بالخضر، باللبن، بالجبن البلدي. كانت المساحات نفسها التي تعج اليوم بالإسمنت، موطنا لمنتجات قروية تنعش المدينة، وتربطها بجذورها.
اليوم، أُكلت الأرض، وضاعت الهوية، وحل محل الفلاحين سكان متروكين لتدبير الفوضى كلٌ على طريقته. لم تندمج هذه الفضاءات في المدينة، بل تم ابتلاعها على عجل، كما يُلقى بقريّة داخل نُسخة مصغّرة من حضارة لم تكتمل.
والمفارقة ليست هنا فقط. حين تقارن كل هذا بما يحيط بتلك الأحياء من طرق حديثة، مشاريع كبرى، أحياء راقية ومؤسسات جامعية، تشعر وكأنك في مدينة تلبس بذلة أنيقة فوق جسد عليل.
مجمع العرفان، مثلا، لا يبعد إلا أمتارا قليلة عن الجامعة، ولكن المسافة الرمزية بينهما تقاس بالضوء لا بالخطوات. تنتقل من واجهة حضرية إلى هوامشها في رمشة عين، ويخيل إليك أنك خرجت من طنجة دون أن تبرحها. إنه الانفصال الصامت، حيث لا شيء يربط المركز بالأطراف سوى لوحة معدنية كتب عليها اسم الحي.
ولأن مسنانة وبوخالف مجرد نموذجين، يبقى السؤال قائماً: إذا كانت هذه حال مناطق تنتمي لمقاطعة طنجة المدينة، التي تُعتبر قلب المجال الحضري، فماذا عن بني مكادة؟ عن مغوغة؟ عن تخوم المدينة التي ما زالت عالقة بين الريف المنسي والمدينة التي لا تراها؟ هل من المنطقي أن تتسابق مشاريع التهيئة نحو البحر، بينما تتآكل الأحياء الداخلية تحت وطأة العجز والتراكم والتجاهل؟
في بني مكادة، مثلا، حيث الكثافة السكانية تُرهق المرافق، وحيث عدد السكان يكاد يعادل مدينة بكاملها، تتكرّر مشاهد الزحف العمراني المنفلت، والانفجار الديمغرافي غير المصحوب ببنية تحتية مرافقة.
وفي مغوغة، حيث المصانع تزحف بدورها على الأراضي، لا تكاد تُفرّق بين الحي الصناعي وحي السكن الشعبي، في تناقض عمراني مفتوح على كل الاحتمالات.
طنجة لم تكن يوما بلا مجهودات تنموية. مشاريع عديدة، ومبادرات كثيرة، بعضها أنجز، وبعضها أخفق، وبعضها لا يزال يكافح. غير أن التساؤل المشروع الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن النوايا، بل عن القدرة على فهم إيقاع مدينة تتغير أسرع مما يُخطط لها، وتبتلع محيطها قبل أن تهضمه.
في النهاية، قد لا تكون المشكلة في التوسع، بل في التوازن. قد لا تكون في البناء، بل في غياب المعنى عنه. وقد لا تكون في المدينة ذاتها، بل في عجزها عن رؤية أطرافها لا كعبء، بل كأعضاء تنبض بالحياة… إن أُحسن الإصغاء إليها.







