على رصيف بحري جديد يطل على الأطلسي، يمشي زوار في الساعات الأولى من المساء بين مصابيح حديثة وممرات واسعة وأحزمة من التشجير، فيما تظل علامات منع الوقوف والتوقف على طول الطريق المحاذي للشاطئ أول ما يربك الوافدين بالسيارات.
هنا، في الواجهة البحرية لكزناية بالضاحية الجنوبية الغربية لطنجة، يرى الشطر الأول من الكورنيش النور بعد سنوات من أشغال التأهيل التي غيرت صورة شريط ساحلي كان، إلى وقت قريب، هامشا ترابيا مفتوحا على الغبار والعزلة.
لكن الفضاء الذي بدأ يستقطب ساكنة كزناية وزوار طنجة يضع منذ أيامه الأولى سؤال الخدمات في الواجهة: أين يركن الزوار؟ أين توجد المراحيض العمومية؟ وأين يمكن لعائلة تقضي ساعات أمام البحر أن تجد مرافق قريبة تكمل وظيفة فضاء يفترض أنه موجه للاستقبال لا للعبور فقط؟

وفق معطيات محلية للمشروع، يمتد الشطر المفتوح على نحو 27 ألف متر مربع، بكلفة تقارب 36 مليون درهم. ويأتي ضمن برنامج أوسع لتأهيل كزناية، انطلق بغلاف منشور في حدود 650 مليون درهم، قبل أن تتحدث معطيات لاحقة منشورة على بوابة الجماعة نقلا عن وكالة المغرب العربي للأنباء عن مشاريع مهيكلة تناهز كلفتها مليارا و90 مليون درهم.
ويؤكد رئيس مجلس جماعة كزناية، محمد بولعيش، أن مصالح ولاية جهة طنجة-تطوان-الحسيمة واكبت تتبع المشروع والإشراف عليه، معتبرا أن هذه المواكبة ساعدت على تسريع وتيرة الإنجاز.
ويضيف بولعيش في تصريحات لجريدة طنحة 24 الالكترونية، أن المجلس الجماعي برمج استثمارا إضافيا لتهيئة فضاءات خضراء جانبية وتوسيع الشريط المهيأ بكيلومتر طولي جديد.
على الأرض، تبدو المفارقة واضحة. الكورنيش يمنح المنطقة صورة حضرية لم تكن مألوفة، لكنه لا يقدم بعد كل ما يحتاجه زائر يمضي وقتا طويلا في فضاء مفتوح على البحر.

عند حافة الطريق الرئيسي، تنتصب علامات منع التوقف تباعا. السيارات تمر ببطء، وبعض السائقين يترددون قبل مواصلة الطريق بحثا عن مكان آمن للركن.
يقول أحد المرتفقين، مشيرا إلى جنبات الطريق الخالية: “الآن ما زالت الحركة محدودة. مع العطلة المدرسية وتوافد المصطافين ستتغير الصورة. إذا لم توجد مواقف واضحة، سيبدأ الركن العشوائي وسيظهر الاكتظاظ”.
لا يتوقف الرجل عند مشكل السيارات. يضيف بنبرة حادة أن “غياب المراحيض العمومية غير مفهوم في فضاء يستقبل العائلات”. بالنسبة إليه، لا تكفي الأرصفة والإضاءة والمشهد البحري لصنع وجهة سياحية إذا بقي الزائر مضطرا إلى مغادرة المكان بسبب خدمة أساسية غائبة.
فضاء جديد بانتظارات قديمة
على بعد أمتار، تجلس عائلة قبالة الأمواج. الأطفال يتحركون بين الممرات، والكبار يلتقطون صورا للمكان الذي بدأ يفرض نفسه في خرائط النزهة اليومية بطنجة وضواحيها.
يقول أحد أفراد العائلة إن كزناية “ربحت كثيرا” بهذا المشروع. يتذكر صورة المكان قبل التهيئة: “كانت المنطقة مهملة، ترابا وفراغا، وكثيرون في طنجة لم يكونوا يعرفونها كوجهة”. ثم يستدرك قبل أن تستعد العائلة للمغادرة: “المشكل اليوم هو غياب مرافق قريبة. نحتاج مراحيض، ونحتاج مصلى أو مسجدا قريبا من هذا الفضاء”.
هذا التقييم المزدوج يتكرر بين زوار آخرين. هناك تقدير واضح للتحول العمراني، يقابله استياء من تأخر الخدمات التي تصنع الفارق بين كورنيش مكتمل وواجهة جميلة لكنها ناقصة الوظيفة.

ولا تنفصل هذه الملاحظات عن وضع كزناية نفسه. فالجماعة التي تضم مناطق صناعية ومنطقة حرة ومرافق كبرى، بينها المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس، عرفت خلال السنوات الأخيرة نموا عمرانيا واقتصاديا سريعا، جعل الضغط على البنيات والخدمات أكثر وضوحا.
تقول المعطيات المنشورة حول البرنامج المندمج إن مشاريع التأهيل شملت الطرق، الأرصفة، شبكات الماء والكهرباء والتطهير، المساحات الخضراء، التأثيث الحضري، مرافق القرب، النقل والبيئة. كما تشير إلى أن محور التأهيل الحضري والبنيات التحتية استأثر بالحصة الكبرى من الغلاف المالي.
غير أن تجربة الكورنيش تظهر أن نجاح المشروع لا يقاس فقط بسرعة فتح الممرات البحرية أمام العموم، بل بقدرته على استقبال الناس في ذروة الصيف، حين تتحول الواجهة من فضاء للتجريب إلى مقصد يومي للعائلات والمصطافين.
اختبار الصيف
وتراهن السلطات المحلية والجماعة على مواصلة تهيئة الواجهة البحرية وتمديدها، في أفق ربط المقاطع الساحلية وتحويل المنطقة إلى فضاء جذب دائم.
لكن الاختبار الأقرب لن ينتظر نهاية الأشغال الكبرى. سيبدأ مع موسم الاصطياف، عندما تقود الحرارة والعطلة المدرسية مئات الأسر إلى البحث عن متنفس قريب من طنجة.

في ذلك الموعد، لن يكون السؤال عن جمال الرصيف أو جودة الإنارة وحدهما. سيكون عن موقف سيارة، ومرحاض عمومي، ومكان للصلاة، وتنظيم سير يمنع تحويل الطريق الساحلي إلى نقطة اختناق.
حتى ذلك الحين، يظل كورنيش كزناية مشروعا واعدا في صورته الأولى، لكنه ما زال يحتاج إلى ما يجعل الواجهة البحرية الجديدة قادرة على استقبال الزوار لا على إبهارهم من بعيد فقط.







