في عالم كروي تبتلعه نرجسية المسيرين، وحيث يقاس فيه النفوذ غالبا بحجم الصخف والقدرة على استقطاب الجماهير، يقدم نصر الله كرطيط حالة دراسية لافتة في فن التواري.
فهو لا تغريه عدسات الكاميرات، كما أن مسيرته تخلو من أي تصريحات انفعالية أو استعراض مجاني للحضور. بل إن تركيبته الشخصية تبدو أقرب إلى التكنوقراط الحذر أو الموظف الحكومي الرفيع، لا إلى الزعيم الكاريزمي الذي تستهويه منصات التتويج وهتافات المدرجات.
وبالنسبة إلى كرطيط، فإن السلطة لا تمارس عبر الخطابة المفتعلة، وإنما تهندس بصمت داخل الغرف المغلقة.
ولفهم سيكولوجية كرطيط الإدارية، فإنه يكفي تأمل مقاربته للعمل المؤسساتي؛ إذ لا يسعى للقفز فوق الهياكل أو تطويعها لخدمة مجد شخصي، بل يفضل التغلغل فيها بعمق.
وقد كشفت مرحلة تحول ناديه إلى شركة رياضية في عام 2022 عن ملامح دقيقة في عقليته، حيث لم يتعامل مع هذا التحول القانوني كواجهة سياسية أو فرصة لتسويق الذات، وإنما كمعادلة مالية وتنظيمية صرفة.
كما أن تمركزه آنذاك في رئاسة مجلس الإدارة لم يكن مجرد مهمة وظيفية، بل كان انعكاسا لولعه بضبط الإيقاع الداخلي، وبالسيطرة على لغة الأرقام والمحاضر، بعيدا عن تقلبات المزاج العام. فهو يجد راحته في تعقيدات التسيير المالي أكثر مما يجدها في إدارة الأزمات الجماهيرية.
ومن ثم، فإن هذا الانضباط الصارم والميل إلى الظل يفسران طبيعة ارتقائه إلى الرئاسة الفعلية في أواخر عام 2024؛ إذ إن مساره يكشف عن شخصية تمقت القفزات في المجهول، وتفضل التدرج البطيء والمحسوب، مع تثبيت الأقدام داخل إطار مألوف، بدلا من المغامرة في مساحات غير مضمونة العواقب.
وعليه، فإن انتخابه لم يكن انتصارا في معركة انتخابية صاخبة، بل بدا وكأنه ارتقاء بيروقراطي حتمي لرجل أمسك بكل خيوط اللعبة الإدارية لفترة طويلة، حتى أصبح الخيار المنطقي الوحيد.
ولا تنحصر طموحات كرطيط في النطاق المحلي، وإن كان يغلف تحركاته الوطنية بالكتمان ذاته؛ فموقعه داخل دوائر القرار في الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم يبرز جانبا آخر من شخصيته، وهو قدرته العالية على نسج شبكات النفوذ المؤسساتي بهدوء.
فهو لا يترافع عن قضاياه عبر وسائل الإعلام، بل يدير مصالحه من خلال التواجد الميداني المستمر في اللجان المتخصصة، مما يجعله رقما حاضرا في المعادلات الكبرى، دون أن يحتاج إلى لفت الانتباه.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة للاهتمام في مسار هذا الرجل هي الكيفية التي بدأ يخترق بها الوعي العام، على الرغم من تجنبه المتعمد للتواصل الجماهيري؛ إذ إن الدعم الملحوظ الذي لقيه اسمه في استفتاءات الرأي المحلية كمسير رياضي يشير إلى أن فئة من الشارع بدأت تلتقط قيمة “المهندس الصامت”.
ومع ذلك، فإنه يرفض بشدة الانخراط في لعبة العلاقات العامة؛ فلا هو يروج لـ”مشروع شخصي” ملهم، ولا يدعي امتلاك عصا سحرية.
وسواء كان هذا التواري الاستراتيجي خيارا تكتيكيا لامتصاص ضغط المحيط الكروي المتوتر، أو مجرد انعكاس أصيل لطباع شخصية تميل إلى التحفظ البارد، فإن النتيجة واحدة: لقد فرض نصر الله كرطيط نموذجه الخاص. إذ إنه يجسد فئة نادرة من القادة الذين أدركوا مبكرا أن إحكام القبضة على المؤسسة يتطلب عقلا تنظيميا باردا، وعملا دؤوبا في الظل، لا حنجرة قوية ووعودا صاخبة.







