سلطت دراسة أكاديمية إسبانية حديثة الضوء على التحولات البنيوية التي طالت طقوس فن “كناوة” العريق في مدن تطوان وطنجة وأصيلة.
وتتبعت الدراسة، التي استمرت على مدار 13 عاماً من البحث والتوثيق، مسارات هذا الفن الروحي وآليات تفاعله مع المتغيرات المجتمعية المعاصرة.
واستندت الدراسة في بناء مخرجاتها إلى سلسلة مكثفة من المقابلات المعمقة والملاحظات الميدانية الدقيقة التي أُجريت في الحواضر المغربية الثلاث.
وكشفت النتائج، بحسب ما جاء في التقرير البحثي، عن وجود مساعٍ حثيثة من قبل بعض الممارسين لهذا الفن التراثي لخلق توازن دقيق؛ يهدف إلى التوفيق بين الحفاظ على استمرارية الطقوس الموروثة عبر الأجيال من جهة، والعمل على إعادة تفسير بعض عناصرها وصياغتها بقوالب تتناسب مع قناعاتهم الدينية وتوجهاتهم الشخصية من جهة أخرى.
وفي تحليلها لهذه الدينامية، اعتبرت الدراسة أن هذا التفاعل الملحوظ لا يشكل قطيعة مع الماضي، بل يعكس في جوهره القدرة الفائقة للتقاليد الثقافية والروحية على التكيف بمرونة مع التحولات الاجتماعية المتسارعة.
وأكدت القراءة التحليلية أن هذا المسار التطوري الإرادي يحدث داخل المجتمعات الممارسة للفن دون أن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء تلك الطقوس من المشهد الثقافي، أو التخلي الكامل عن مكوناتها وجذورها التاريخية الأصيلة.
وعلى صعيد متصل، تكتسي هذه الخلاصات العلمية أهمية بالغة في الحقل السوسيولوجي والأنثروبولوجي، حيث تفتح مجالاً بحثياً جديداً وأفقاً أوسع لفهم آليات التحول التي يعرفها التراث الموسيقي والروحي في منطقة شمال المغرب.
وتبرز أهمية مدن تطوان وطنجة وأصيلة في هذا السياق الثقافي، بحسب الدراسة، باعتبارها فضاءات حضرية استثنائية تتقاطع فيها بامتياز روافد الذاكرة الإفريقية الممتدة مع التقاليد الصوفية العريقة، وتتفاعل جنباً إلى جنب مع إيقاع التغيرات الاجتماعية المعاصرة التي تشهدها البلاد.







