وسط جلبة الصحون ورائحة التوابل المنبعثة من طواجن اللحم المطهوة على نار هادئة، يعيد صاحب مطعم شعبي في شارع موسى بن نصير بطنجة حساباته اليومية على دفتر صغير تآكلت أطرافه.
فرغم امتلاء طاولاته بالعمال والطلبة في استراحة الغداء، يدرك الرجل أن الثمن المكتوب على قائمة الطعام المعلقة خلفه لم يعد يغطي تكلفة ما يطبخ في الكواليس.
وتخوض المطاعم على اختلاف أصنافها، من واجهات “مالاباطا” الزجاجية العصرية إلى شوايات الأحياء الشعبية، معركة صامتة للبقاء، إذ تتصادم فواتير المواد الغذائية المرتفعة مع رغبة في التشبث بزبائن أنهكهم التضخم.
وبحسب أحدث بيانات المندوبية السامية للتخطيط، ارتفعت أسعار اللحوم في طنجة بنسبة 4,7% خلال شتنبر مقارنة بغشت، وزادت أسعار الخضر بنسبة 4,1%.
وفي الأسواق مطلع نونبر، تكشف جولة بين بسطات الخضارين أن سعر الكيلوغرام بلغ 15 درهماً للطماطم و17 درهماً للفلفل و16 درهماً للجلبانة.
في المطبخ الخلفي لأحد المطاعم الشعبية، حيث ترتفع الحرارة مع وتيرة الطلبات، يمسح صاحب المحل جبينه ويقول بنبرة لا تخلو من قلق: “المشكلة أننا نشتري المواد الغذائية بأسعار تتغير باستمرار في السوق، بينما يريد الزبون أن يجد وجبته بالثمن الذي اعتاد عليه”.
ويضيف “عندما ترتفع تكلفة الطاجين، لا نستطيع ببساطة إضافة خمسة دراهم إلى سعره كل أسبوع”.
يصمت قليلاً وهو يراقب عامله يضع الخبز الطازج على الطاولات، ثم يتابع: “نخشى أن نخسر هؤلاء الزبائن الذين يعتمدون علينا يوميا، لكننا في الوقت نفسه ننزف بصمت. لا نستطيع الاستمرار في تحمل الزيادات إلى ما لا نهاية”.
في الأسواق مطلع نونبر، تكشف جولة بين بسطات الخضارين أن سعر الكيلوغرام بلغ 15 درهماً للطماطم و17 درهماً للفلفل و16 درهماً للجلبانة.
وحتى المطاعم الكبرى التي تتعامل مع موردين بأسعار الجملة لا تنجو من تبعات هذه الزيادات، إذ يضيق توالي ارتفاعاتها الخناق على ميزانياتها.
وفي قلب المدينة، تبدو واجهات المطاعم المتوسطة والعصرية أكثر هدوءا، لكن الحسابات داخل مكاتب إداراتها لا تقل تعقيداً. يشير مسير مطعم متوسط بيده نحو قاعة الطعام المضاءة بعناية ويقول: “الزبون يرى ثمن الطبق فقط ويحكم بناءً عليه، لكنه لا يرى ما ندفعه قبل أن يصل هذا الطعام إلى مائدته. لدينا جيش من العمال وإيجار المحل وفواتير الكهرباء والغاز… وعندما تلتهب أسعار الخضر واللحوم فوق ذلك، يتبخر هامش الربح تماما”.
تُظهر الأرقام الرسمية ارتفاعا طفيفا في مؤشر أسعار المطاعم والفنادق لم يتجاوز 0,4% خلال شتنبر
ويؤكد المسير الشاب أن رفع الأسعار يبقى خيارا مستبعدا حاليا “لأن المنافسة شرسة جدا هنا، والزبون بات يحسب مصاريفه بدقة متناهية”. ويضيف: “لكن إذا استمر الغلاء بهذا الشكل الطاحن، فسنضطر مكرهين إلى مراجعة أسعار بعض الأطباق”.
وأظهرت جولة لرصد الأسعار شملت 66 قائمة طعام في مطاعم طنجة مطلع نونبر أن السعر الوسيط للطبق الرئيسي يبلغ 95 درهما، فيما يُعرض الطاجين بـ84 درهماً والكسكس بـ70 درهما.
وفي وقت تُظهر الأرقام الرسمية ارتفاعا طفيفا في مؤشر أسعار المطاعم والفنادق لم يتجاوز 0,4% خلال شتنبر، يبدو أن أرباب المطاعم يفضلون امتصاص الصدمة مؤقتا بدل تمريرها إلى الزبائن.
وبدأت بعض المؤسسات تفكر في حلول بديلة، كتقليص حجم الحصص أو تعديل مكونات العروض المجمعة، وهي خيارات يراها البعض “لعبا بالنار”.
ويقول صاحب مطعم عائلي وهو يتفقد جودة الخضار التي تسلمها للتو: “نفضل أن نحافظ على جودة الوجبات وكمياتها المعتادة، لأن الزبون يعود فقط عندما يكون راضياً. نحن اليوم بين فكي كماشة: إما أن نتحمل التكاليف على حساب أرباحنا القليلة، أو نرفع الأسعار ونخاطر بهروب زبائننا”.
ويضيف: “لذلك نراقب الأسعار يوميا كمن يمشي على حقل ألغام، ولا نريد اتخاذ أي قرار متسرع”.
وبالنسبة لموظف يتناول غداءه خارج المنزل 20 مرة في الشهر، فإن زيادة قدرها خمسة دراهم في ثمن الوجبة تعني اقتطاع 100 درهم إضافية من راتبه شهريا، وهو تفصيل صغير قد يقلب عاداته الاستهلاكية ويدفعه إلى البحث عن بدائل أرخص أو إحضار طعامه من المنزل.
ومع دخول نونبر أسبوعه الأول، يخيم الترقب على قطاع المطاعم في طنجة. ففي غياب قرار جماعي برفع الأسعار، تبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد وجهة السوق: فإما أن تهدأ أسعار التموين، أو تضطر المطاعم أخيرا إلى كسر حاجز الصمت وتمرير الفاتورة إلى زبائن يراقبون المشهد بأيادٍ على الجيوب.







