في مدينة تُبنى على عجل وتختنق على مهل، لم تعد السيارة مجرد وسيلة نقل، بل تحوّلت إلى مرآة جماعية نُحدّق فيها كل صباح، فلا نرى سوى وهم التفوق وازدحام الغرور.
في طنجة، كما في مدن أخرى، صار امتلاك السيارة طقسا يوميا لتأكيد الوجود، وليس مجرد ضرورة للتنقّل. وبين ما هو ضروري وما هو استعراضي، تضيع المدينة، وتضيع معها كل محاولة لتنظيم معقول لحركتها.
طنجة، التي كانت يوما مدينة عبور، أصبحت محطة اختناق دائم. كل شيء فيها يتحرّك ببطء، إلا السيارات التي تتكاثر كأنها تفرّ من موتٍ قادم. الموظف، الطالب، التاجر، وحتى من لا شغل له ولا مشغلة… كلهم يتقاسمون الشوارع، لا بهدف الوصول، بل في كثير من الأحيان بدافع ملء الفراغ أو تأكيد الذات.
أصبح من المألوف أن ترى خمسة موظفين يقطنون في نفس العمارة أو الحي، ويعملون في نفس المصلحة، كل واحد منهم يقود سيارته الخاصة يوميا، كما لو أن فكرة التنسيق أو المشاركة صارت نوعا من الإهانة.
البعض يقطع مسافات قصيرة جدا بسيارته، لا لأنه لا يستطيع المشي، بل لأنه لا يرى في ذلك “مقاما” يليق بصورة الذات. والآخرون يركبون سياراتهم فقط لاحتساء قهوة على رصيف البولفار، قبل أن يبدؤوا نوبة يومية من الشكوى حول الزحام وغياب النظام.
في كل ساعة من ساعات اليوم، تخرج سيارات إلى الشارع لا لشيء إلا للتجوال، أو للظهور، أو للهروب من البيوت. هناك من يخرج بسيارته لا لمهمة، بل لمجرّد ملء الفراغ، كأن المقعد الأمامي صار أريكة بديلة عن صالونات المنزل. هناك من يسكن على مرمى حجر من مقر عمله، ويأبى أن يخطو خطوة واحدة دون عجلات. وهناك من يتعمد أن يركب سيارة فارهة، لا يهم إن كانت مُستدانة أو مثقلة بالأقساط، فقط ليحظى بنظرة في مرآة الآخرين، ولو من وراء الزجاج.
بالتأكيد، لا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية الفوضى. المدينة، بكل وضوح، تفتقر إلى شبكة نقل عمومي فعّالة تُقنع الناس بترك سياراتهم. الحافلات قليلة، غير منتظمة، وغالبًا لا تغطي سوى خطوط محدودة. أما مشروع “الباصواي”، الذي يُعلّق عليه كثيرون الأمل، فما زال قيد الدراسة والإعداد، دون أن تلوح بوادر ملموسة على الأرض لتغيير المعادلة في المدى القريب. مدينة بهذا الحجم، وبهذا التسارع العمراني والسكاني، لا يمكن أن تظل أسيرة لحافلات مستهلكة، وتاكسيات غير كافية، وانتظارات بلا نهاية.
لكن ذلك لا يبرّر كل هذا الانفلات. فالأوروبي الذي نحب مقارنته، يمتلك سيارة فارهة ولا يستعملها إلا في السفر أو الرحلات الطويلة. أما عندنا، فالسيارة تُستعمل حتى في الذهاب إلى الدكان أو زيارة الجارة. صرنا نركب السيارة هروبا من المشي، من التأمّل، ومن الاعتراف بأن الحل أحيانا لا يتطلب مفاتيح، بل فقط وعيا جماعيا بسيطا.
والمثير للسخرية أكثر، هو أن من يملكون كامل الحرية في اختيار بدائل عقلانية، هم أنفسهم من يصرّون على استعمال السيارة في أبسط المشاوير، كما لو أن التخلي عنها للحظات يُنقص من قيمتهم الشخصية.
لا حديث هنا عن من يسكنون في مناطق نائية أو محرومين من النقل، بل عن من يعيشون في قلب المدينة، وتحت أقدامهم كل المرافق، لكنهم يفضلون خنق الشوارع على أن “يتواضعوا” للنقل المشترك، أو يمشوا دقيقتين على أقدامهم. هذا النوع من الاستعمال المرضي للسيارة لا يعكس فقط غياب البدائل، بل يعكس أيضاً خللاً في سلم القيم: حين تصبح الراحة الفردية أسمى من المصلحة العامة، وحين يُفهم “البرستيج” كمبرر دائم لاحتلال الفضاء العام، نكون بصدد كارثة لا تُحل لا بالترام، ولا بالباصواي، ولا حتى بحظر التجوال.
المفارقة الصادمة هي أن المواطن الذي يشتكي من الدولة في كل وقت، لا يتردد في خنق المدينة بعجلاته. يركن سيارته في ممر الراجلين، يقطع الإشارة الحمراء، يحتل الرصيف وكأنه امتداد لغرفة نومه، ثم يعود ليشتم “السيبة” و”غياب القانون”. والسؤال هنا: أي قانون يمكنه أن يصلح ما أفسده هذا الكم من اللامبالاة؟ أي مؤسسة يمكنها أن تنظّم شوارع لا يؤمن أصحابها بفكرة التنظيم أصلا؟
ما نعيشه اليوم هو نتيجة لتراكمات متعددة: تقصير في التخطيط، غياب البدائل، وانهيار ثقافة المشاركة. لا يمكن للشارع أن ينتظم، ونحن نمارس الفوضى بعناية يومية. لا يمكن لمدينة أن تتنفّس، ونحن نحاصرها بعجلات فردية لا تتوقف عن الدوران في نفس الحَلْقة المفرغة. السيارة ليست العدو، ولكنها تحوّلت إلى أداة خطيرة في يد مجتمعٍ لم يتصالح بعد مع فكرة الفضاء العام، ولا مع منطق الضرورة.
وفي طنجة، إذا لم يتغيّر هذا السلوك الجمعي، فكل الطرق ستقودنا… إلى الحائط.







