سخرية جاك بغيل ومزاحه الثقيل
ads980-250 after header


الإشهار 2

سخرية جاك بغيل ومزاحه الثقيل

إشهار مابين الصورة والمحتوى

لقد كان بجانبي..

اقتربت منه كما لم أفعل من قبل.

أنا الآن أجلس وحيدًا مفترِشًا أحجارًا ضخمةً ترفع منطقة مرشان عن صخور لالة جميلة البحرية.

أسامر نجوم الليل متكئًا على يدي اليمنى، بجانبي سبسيٌّ ورزمةٌ صغيرةٌ من الكيف المحليِّ أدخنّه لأحرق نفسي، حتى أحرق ما تبقى من رمادٍ.

..

حتى يندثر الرماد.

حتى التلاشي،

وحتى لا يبقى منه فيَّ شيءٌ،

حتى لا يبقى منِّي فيَّ شيءٌ،

حتى أموت لأحيا من جديد.

..

هل سمعتم من قبل عن أحدٍ مات ليحيا؟

..

كنتُ بالأمس أبكي بحرارةٍ على موسيقى بغيل في ملحمة رجل المانتشا. لقد كنت أركض نحو المستحيل، كنتُ أعرف ذلك جيدًا. كان بغيل يقول:

احلم بالمستحيل،

اذهب إلى حيث لم يذهب أحدٌ،

احترق،

أحِبَّ حتى تتمزق.

..

كذلك فعلتُ، فتمزقتُ ولكن؛ لم أبرح مكاني.

..

فكرت قليلا:

كتب بغيل أيضًا رائعته الأشهر إطلاقاً، لا تدعني! (Ne me quittes pas)، ولقد كان يبكي فيها على فراقٍ مزعومٍ، ويرغب في عودةِ حبيبتهِ حتى وإن كلفه ذلك أن يصير الظلال المرافق لها، ظلال يدها، بل حتى الظلال الذي يحدثه كلبها إذا ما اعترض ضوء الشمس.

ولقد كنت أتساءل دومًا كيف لبغيل (ميزوجينُنا الكبير، وشيخ طريقتنا) أن يكتب كلامًا كهذا؟ لقد كان حتمًا يسخر من هؤلاء المعاتيه، ولقد صدق الجميع سخريته.

..

لم يخطر ببالي قطُّ بأنه سيسخر منِّي أيضًا.

..

يلبس بغيل في نسخته عن ملحمة لاكِّيط، شخصية دون كيخوته دو لا مانتشا، فارس سرفانطيس المغوار، الرجل النبيل، الساذج الذي فقد عقله بعد مداومته على قراءة كتب الفروسية وأبطال الحكايات، فانطلق باحثًا عن مجدٍ مزعومٍ، عن حبِّ دولسينيا الأسطوريِّ بوسائلَ مضحكةٍ:

دِرعٌ متهالكٌ وخودةٌ باليةٌ

حماره (أو حصانه الهزيل): روسينانت

وجاره الساذج سانشو بينتا الذي صدقه ورضيَ بأن يكون خادمه ومرافقه.

..

احلم بالمستحيل،

اذهب إلى حيث لم يذهب أحدٌ،

احترق،

أحِبَّ حتى تتمزق.

..

هكذا إذًا سخر منِّي بغيل، أقنعني بمقدرتي على مجابهة الطواحين الهوائية الضخمة، رغم أني أعرف جيدًا مصير دون كيخوته المسكين.

..

آخرٌ نفسٍ من حشوة الشقاف الأخيرة هذه وسيحترق كل شيء.

(حتى تحترق النجوم

وحتى..)

وحتى أموت،

فأحيا!


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا