تحمل مدينة العرائش، الواقعة على ضفاف المحيط الأطلسي عند مصب نهر اللوكوس، إرثًا حضاريًا ضاربًا في القدم، لكنها في المقابل تُصارع يوميًا مظاهر التهميش التنموي، وسط مطالب متكررة بردّ الاعتبار لواحدة من أقدم حواضر شمال المغرب.
فمنذ سنوات، يتواتر وصف المدينة بـ”المنسية” على ألسنة سكانها وناشطيها الجمعويين، في إشارة إلى ما يعتبرونه غيابًا مقلقًا للمشاريع المهيكلة، وتراجعًا في الخدمات العمومية، وتردّي البنية التحتية في عدد من الأحياء والمرافق الحيوية.
ورغم موقعها الاستراتيجي وتاريخها العريق الممتد من الحقبة الفينيقية إلى العهد الإسلامي، لم تحظ العرائش بنفس الزخم التنموي الذي عرفته مدن الجوار مثل طنجة والقنيطرة. هذا الواقع جعل المدينة تعاني عزلة نسبية، سواء على المستوى الاقتصادي أو في ما يتعلق بجاذبيتها الاستثمارية.
يقول يوسف الإدريسي، فاعل مدني محلي، إن العرائش “لم تستفد من ورش الجهوية المتقدمة كما ينبغي، ولا تزال تعاني عقليات تدبيرية محلية عاجزة عن فك الحصار التنموي، رغم توافرها على مكونات سياحية وتاريخية متميزة”.
وتعد المدينة من المدن القليلة التي تتقاطع فيها المؤهلات الطبيعية مع العمق التاريخي، حيث تحتضن موقع “ليكسوس” الأثري الذي يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، إلى جانب غابات وشواطئ تمتد على أكثر من 20 كيلومترا.
ومع ذلك، لا تزال المدينة تفتقر إلى بنية سياحية قادرة على استقطاب الزوار، باستثناء ذروة الصيف التي تعرف اكتظاظًا مؤقتًا.
في القطاع الصحي، يواجه المستشفى الإقليمي ضغطًا كبيرًا في ظل ضعف التجهيزات وقلة الموارد البشرية، بينما تضطر ساكنة الإقليم أحيانًا إلى التنقل نحو طنجة أو القنيطرة لإجراء عمليات أو تلقي علاجات متخصصة.
كما تشكو الساكنة من أعطاب متكررة في قطاع النقل الحضري وضعف التغطية المجالية لخدمات النظافة والإنارة العمومية.
أما في ما يخص البنية الطرقية، فلا تزال طرق رئيسية تعاني اهتراءً واضحًا، خاصة المقطع الرابط بين العرائش والميناء الجديد، ومقاطع حيوية داخل المدينة لم تخضع للصيانة منذ سنوات، مما يؤثر على حركة السير ويرفع كلفة النقل.
ويتهم عدد من المتابعين المحليين المجالس المنتخبة المتعاقبة بـ”العجز عن تقديم تصور تنموي متكامل”، مع استمرار منطق التسيير اليومي بدل الانخراط في مشاريع استراتيجية.
كما يتحدث البعض عن غياب الترافع الجاد على مستوى البرلمان ومؤسسات الدولة، خاصة في ما يتعلق بإدراج المدينة ضمن المخططات الوطنية الكبرى.
ويقول محمد الخراز، أستاذ جامعي باحث في التراث المحلي، إن العرائش تعيش “مفارقة قاسية بين تاريخ مجيد وواقع هامشي”، مشيرًا إلى أن “الإمكانات التي تتوفر عليها المدينة تؤهلها لتكون مركزًا ثقافيًا وسياحيًا واقتصاديًا ذا إشعاع وطني، لكنها لا تزال حبيسة حسابات ضيقة”.
وعلى المستوى البيئي، تطرح مسألة التوسع العمراني العشوائي وغياب محطات لمعالجة المياه العادمة تحديات حقيقية، إذ يُلاحظ تدهور في جودة مياه نهر اللوكوس، وتعرض بعض الغابات المحاذية لاعتداءات عمرانية متكررة، وسط مطالب متزايدة بتشديد المراقبة وتعزيز حكامة التعمير.
في المقابل، لم تُفلح المشاريع التي أُعلن عنها في السنوات الأخيرة، مثل تهيئة الواجهة الأطلسية أو تثمين المدينة العتيقة، في إحداث الأثر المأمول، إما بسبب بطء التنفيذ أو محدودية الميزانيات، أو لغياب الالتقائية بين المتدخلين.
ورغم وجود عدد من الجمعيات الثقافية والرياضية التي تحاول تنشيط الفضاء العمومي، تبقى العروض الثقافية الموسمية محدودة، في ظل غياب قاعة مسرحية دائمة أو فضاء للمعارض، باستثناء محاولات متفرقة لا ترقى إلى مستوى مدينة بهذا العمق التاريخي.
وتراهن الساكنة اليوم على انخراط جديد من الدولة، لتدارك عقود من التهميش، وعلى جيل جديد من النخب المحلية القادرة على تجديد خطاب التنمية، والانخراط في الترافع الجاد لإعادة إدماج العرائش ضمن الدورة الاقتصادية للجهة، وتحقيق الإنصاف المجالي المنشود.







