لم يعد الجيل الجديد ينتظر من ينوب عنه في التعبير. فبقدر ما تبدو اللغة بسيطة، تحمل العبارات التي صاغها شباب مغاربة من “جيل زد” نبرة وعي متقدم، يتجاوز الشكوى العابرة ويُلامس جوهر التعاقد الاجتماعي.
وبينما اختار هذا الجيل أدواته الرقمية لنقل صوته، جاءت المطالب واضحة ومركّزة، دون شعارات فضفاضة أو اصطفافات أيديولوجية، بل ضمن صيغة مدنية تنطلق من سؤال الكرامة وتتفرع إلى أربعة محاور متشابكة: التعليم، الصحة، العدالة، والفرص الاقتصادية.
ولأن هذا الخطاب لم يولد من فراغ، فقد جاء متناغمًا، في بنيته ومضمونه، مع التحولات التي تعرفها البلاد على مستويات متعددة. إذ دعا الشباب إلى توفير تعليم مجاني وجيد، لا كامتياز، بل كحق دستوري ينبغي تجسيده عبر سد الخصاص في الأطر، وتأهيل الفضاءات، وتطوير المناهج بما يواكب العصر، ويؤهّل الأجيال الجديدة للاندماج الفعلي في دينامية التنمية.
ومن التعليم إلى الصحة، انتقل الخطاب بسلاسة إلى مطلب مركزي آخر، يتمثل في بناء منظومة صحية عمومية قوية ومجانية، لا من باب المطالبة بالحد الأدنى، وإنما من منطلق استعادة الثقة في المرفق العمومي.
فقد شدد الشباب على ضرورة توفير عدد كاف من الأطباء، وتجهيز المستشفيات، وضبط أسعار الأدوية، بما يضمن كرامة العلاج وإنصاف الفئات الهشة.
كما لم تغب العدالة عن لائحة المطالب، بل احتلت موقعًا متقدمًا ضمن الرؤية المطروحة. إذ طالب الموقعون بقضاء مستقل وعادل، ومحاسبة فعلية للمتورطين في الفساد، وتنظيم انتخابات نزيهة، إلى جانب احترام حرية التعبير وتوفير الشفافية المالية. وهي مطالب لا تُصاغ من موقع المزايدة، بل من داخل مناخ وطني يكرّس تدريجيًا مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويُراكم مكتسبات على درب الإصلاح المؤسساتي.
أما البعد الاقتصادي، فحضر بكثافة، من خلال دعوة الشباب إلى كبح أشكال الاحتكار، وتشجيع الاستثمار المحلي، وتيسير شروط ولوج الشباب إلى سوق الشغل عبر دعم المقاولات الصغرى، وتحفيز المبادرات الذاتية.
ولم تكن هذه المطالب منفصلة عن الواقع، بل انسجمت مع التحديات التي يعيشها جزء من الشباب المغربي، خصوصًا في ظل تفاوت الفرص، وارتفاع كلفة العيش، وتباطؤ الإندماج المهني لفئة واسعة من الخريجين.
وبالانتقال إلى شروط العيش الكريم، اختتمت الوثيقة بالدعوة إلى تحسين البنيات الأساسية، وتوفير سكن لائق، وماء صالح للشرب، ووسائل نقل آمنة وفعالة، فضلًا عن فك العزلة عن القرى والمناطق الهشة. وهي مطالب لا تنفصل عن توجهات الدولة التي شرعت، منذ سنوات، في إطلاق برامج اجتماعية ومجالية تستهدف تعزيز العدالة الترابية وتقليص الفوارق.
وإذ يختار هذا الجيل أن يتحدث بصوتٍ واضح دون وساطة، فإنه لا يضع نفسه خارج النسق، بل ينخرط ضمنه من موقع جديد: موقع المواطن اليقظ، المتابع، والمسائل، دون عداء أو انفصال. وهنا، تبرز أهمية هذا النوع من التعبير الرقمي، لا بوصفه تحديًا للمؤسسات، بل كمؤشر على نضج سياسي واجتماعي ينبغي أخذه بجدية.
فمطالب “جيل زد”، وإن بدت مألوفة في عناوينها، تكشف عن تحوّل نوعي في أسلوب التعبير ومضمون الانخراط. ذلك أن الجيل الجديد لم يعد يكتفي بالتفاعل السلبي، بل بات يصوغ تصوره الخاص للعدالة والإنصاف والانتماء، بما يجعله شريكًا فعليًا في صياغة مستقبل البلاد.







