تتشابه الشكاوى وتتقاطع الأصوات، من جزر الكناري إلى شمال المغرب، حيث باتت شركة النقل الحضري “ألزا” الإسبانية تواجه موجة انتقادات متزامنة، تفضح – بحسب وصف عمالها – “نموذجًا استغلاليا” امتد لسنوات دون رادع.
وفي طنجة، المدينة التي تسابق الزمن لإطلاق تجربة نقل جديدة مع حلول 2026، تتردد أصداء شهادات نُشرت في الصحافة الإسبانية، تتحدث عن ظروف قاسية يواجهها سائقو الشركة في المغرب، بأجور لا تتجاوز 400 يورو (4000 درهم)، وساعات عمل مرهقة، ونقص في وسائل الراحة والسلامة.
ووصف تقرير حديث نشرته جريدة Diario de Avisos الإسبانية الأوضاع داخل “ألزا” في الضفتين بـ”غير القابلة للتحمل”، حيث يتحدث السائقون عن عقوبات غير مبررة، وتأخير في صرف المستحقات، إضافة إلى تحميلهم مسؤولية أعطاب تقنية في الحافلات، رغم قدم الأسطول ومحدودية الإمكانيات.
وفي طنجة، التي تستعد للتخلي عن نموذج التدبير الحالي لصالح نموذج تدبير جديد تشرف عليه شركة التنمية المحلية “طنجة موبيليتي”، تثير هذه المعطيات تساؤلات حول مدى قدرة السلطات على تجاوز المرحلة الانتقالية دون تكرار الأخطاء السابقة.
خارج ضجيج الشكاوى، بدأت تظهر مؤشرات على تحول محتمل في فلسفة تدبير النقل داخل المدينة، مع وعود ضمنية بشبكة أكثر تكاملا، وأساطيل حافلات تستوفي الحد الأدنى من الراحة المطلوبة، واستراتيجية مفترضة لإعادة الثقة في الخدمة العمومية. لا تفاصيل دقيقة بعد، لكن بعض التحركات توحي بأن المقاربة لم تعد تقنية فقط، بل تتجاوز ذلك إلى البعد الاجتماعي والتنموي.
ومع اقتراب كأس إفريقيا للأمم 2025، تبدو المدينة مطالبة بتقديم نموذج نقل حضري يوازي طموحها كواجهة متوسطية وميناء استراتيجي. وإذا كانت الاستحقاقات الكروية لا تعني شيئا بالنسبة لسكان الأحياء الطرفية ما لم تغير من واقعهم اليومي، فإن الطريق إلى ذلك لم تعد بعيدة كما كانت.
غير أن تقارير النقابات وملاحظات المواطنين تعكس تخوفا من أن التغيير قد يظل شكليا، ما لم يصحبه وضوح في الالتزامات، ومحاسبة حقيقية على التراكمات الماضية. ويعتبر البعض أن العبرة لن تكون في تجديد الحافلات ولا في إعادة طلاء المواقف، بل في إعادة تعريف العلاقة بين المواطن وخدمة النقل، وتثبيت العدالة المهنية كشرط لا كشعار.
وتطرح هذه المرحلة أيضا سؤالا أعمق: هل كان الإخفاق سببه الشركة وحدها، أم أن غياب التتبع الصارم من طرف الجهة المفوضة ساهم في ترسيخ واقع هش؟ وما مدى استعداد المدينة لوضع معايير اجتماعية دقيقة في عقود التدبير القادمة، تضمن احترام الكرامة المهنية للسائق، والمصلحة اليومية للمواطن؟
وإذا كانت “ألزا” تغادر المشهد في هدوء لا يخلو من مرارة، فإن الفرصة باتت متاحة لتصحيح اختلالات تراكمت، وتصميم نموذج جديد لا يبدأ من الصفر، بل من دروس العشرية الماضية.







