في حي ارض الدولة، احد الاحياء النشيطة بمدينة طنجة، بدت واجهات عدد من محلات البقالة مغلقة منذ صبيحة اول ايام عيد الاضحى، بعدما غادر اصحابها المدينة لقضاء المناسبة مع اسرهم، كما دابوا على ذلك كل سنة.
ولم يعد هذا الغياب، الذي كان يربك لسنوات وتيرة التموين داخل الاحياء الشعبية، له الوقع ذاته خلال الاعياد الاخيرة.
في السابق، كان غياب البقالة التقليدية، وغالبيتهم من المنحدرين من منطقة سوس، يحدث فراغا تموينيا ملموسا، ويدفع الاسر الى تخزين الضروريات او البحث عنها في ازقة بعيدة.
اما اليوم، فقد خفّت حدة هذا الارتباك بفضل انتشار وحدات تجارية حديثة ذات طابع منظم، خصوصا في بعض مناطق التوسع العمراني.
في محاور قريبة من حي ارض الدولة، تفتح هذه المتاجر ابوابها خلال العيد بفضل تنظيم توقيت العمل بين المستخدمين لضمان الاستمرارية.
ويجد السكان في هذه الوحدات التجارية عرضا مستمرا للمواد الاساسية، من الحليب الى المعلبات والماء المعبأ، ما ساهم في تغطية جزء من الحاجيات اليومية خلال عطلة العيد.
لكن على مستوى الازقة الداخلية، لا تزال بعض الحوانيت الصغيرة تفتح بشكل متقطع، استجابة للطلب المحلي او تبعا لتوفر البضاعة.
ويعكس هذا الحضور المحدود الاستمرار الرمزي لدور مول الحانوت، الذي ما زال يشكل بالنسبة لكثير من الاسر جزءا من معادلة الحياة اليومية.
وتقول سميرة، موظفة تقطن في حي الادريسية، “في الاعوام الماضية، كنا نعاني كثيرا عند غياب البقال، خاصة في ثاني وثالث ايام العيد. اما اليوم، فقد اصبح وجود المتاجر الكبرى عاملا مساعدا، حتى وان كانت تفتقر لبعض الجوانب الانسانية في التعامل”.
ورغم ان المتاجر العصرية توفر العرض وتضمن انتظام الخدمة، الا انها لا تعوّض بشكل كامل الوظائف الاجتماعية التي يضطلع بها البقال.
فالعلاقة مع البقال لا تقتصر على البيع، بل تتأسس على الثقة والتجاوب مع الواقع اليومي للساكنة، من خلال التساهل في الاداء، وتفصيل الكمية، ومراعاة الظروف الاجتماعية للزبائن.
وتوضح خديجة، ارملة وام لثلاثة اطفال، “البقال يعرف اسرتي منذ سنوات، ويتفهم وضعيتي الاجتماعية، ويمنحني امكانية التسديد المؤجل في بعض الفترات. هذا الامر لا توفره المتاجر الحديثة، مهما كان عرضها واسلوبها”.
في الاحياء التي لم تصلها بعد فروع المتاجر الكبرى، يظل غياب البقال محسوسا، ليس فقط باعتباره ممونا، بل لانه يشكل جزءا من نسيج اجتماعي قائم على القرب والمعرفة الشخصية.
اما في المناطق التي شملها التحول التجاري، فقد بدأت تتشكل علاقة مزدوجة: نمط جديد من التموين يعتمد على النظام والانضباط، ونمط تقليدي يتأسس على المرونة والثقة.
وفي انتظار عودتهم بعد انتهاء العطلة، تظل الحوانيت مغلقة، والحركة اليومية مختلفة، الا ان المدينة لم تعد تتوقف كما في السابق.
فطنجة، بكل تحولاتها، تتأقلم بتدرج مع مشهد تمويني جديد، لا يلغي البقال، لكنه يعيد رسم موقعه ضمن دينامية حضرية متغيرة.







