تفصل ثلاثة عشر شهراً، في المتوسط، بين ظهور الأعراض الأولى لمرض مناعي وراثي نادر لدى الأطفال المغاربة وبين تشخيصه. وخلال هذه المدة، قد تكون الالتهابات المتكررة قد ألحقت أضراراً دائمة بالرئتين وأثرت في نمو الطفل، وفق دراسة علمية جديدة تابعت حالات المرض على امتداد 26 عاماً.
ونُشرت الدراسة في مجلة Frontiers in Immunology، تحت عنوان «Major histocompatibility complex class II deficiency in Morocco: a 26-year retrospective cohort study»، بمشاركة باحثين وأطباء من عدة مستشفيات جامعية مغربية، من بينها المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بطنجة.
وتناولت الدراسة 54 مريضا ينتمون إلى 47 أسرة، شُخصت حالاتهم بالمركز الوطني المرجعي لأمراض نقص المناعة الأولية في الدار البيضاء، بين يناير 1998 ودجنبر 2024. وأحيل المرضى من جهات مختلفة، لكن الباحثين لم يقدموا توزيعاً جغرافياً يسمح بمعرفة عدد الحالات المسجلة في طنجة أو شمال المغرب.
ويعرف المرض باسم «عوز معقد التوافق النسيجي من الصنف الثاني»، وهو خلل وراثي نادر يعطل إحدى الآليات الأساسية التي يستخدمها الجهاز المناعي للتعرف على الفيروسات والبكتيريا والفطريات وتنظيم الهجوم عليها.
وبصورة مبسطة، تحتاج بعض الخلايا المناعية إلى جزيئات تسمى HLA من الصنف الثاني لعرض أجزاء من الميكروبات على الخلايا اللمفاوية المساعدة من نوع CD4. وعندما تغيب هذه الجزيئات أو ينخفض وجودها بشدة، يعجز الجهاز المناعي عن تنسيق دفاع فعال، فيصبح الطفل عرضة لالتهابات متكررة وخطيرة منذ شهوره الأولى.
وأظهرت النتائج أن الأعراض بدأت في سن ستة أشهر كقيمة وسطية، بينما لم يحصل التشخيص إلا في سن 19 شهراً، ما يعني تأخراً وسطياً بلغ 13 شهراً. وتراوحت أعمار التشخيص بين خمسة أيام و26 سنة، وهو تفاوت يعكس اختلاف شدة المرض وصعوبة التعرف عليه مبكراً.
وسُجلت التهابات الجهاز التنفسي لدى 52 مريضاً، أي 96.3 في المائة من الحالات، وأصيب 40 منهم بالتهاب رئوي. كما كان 12 مريضاً، بنسبة 22.2 في المائة، قد أصيبوا بتوسع القصبات، وهو تلف مزمن وغير قابل للعكس بسهولة في الشعب الهوائية، اعتبره الباحثون مؤشراً على ضياع فرص التشخيص والتدخل المبكر.
ولم تقتصر الأعراض على الجهاز التنفسي، إذ عانى 63 في المائة من المرضى إسهالاً مزمناً أو متكرراً، وسُجلت التهابات جلدية أو مخاطية لدى 75.9 في المائة، بينها داء المبيضات الفموي لدى نصف الحالات. كما ظهر تأخر أو فشل في النمو لدى 96 في المائة من المرضى، نتيجة تداخل الالتهابات المتكررة والإسهال وسوء التغذية.
وسجل الباحثون أيضاً اضطرابات مناعية في خلايا الدم لدى 11 مريضاً، من بينها نقص العدلات وفقر الدم الانحلالي ونقص الصفائح، فضلاً عن حالات أقل عدداً من التهاب السحايا والدماغ ومضاعفات مرتبطة بلقاح السل الحي.
واعتمد التشخيص أساساً على قياس ظهور جزيء HLA-DR فوق الخلايا المناعية بواسطة تقنية قياس التدفق الخلوي. وكان مستوى ظهوره أقل من 5 في المائة لدى جميع المرضى الذين شملهم الفحص، مقابل مستويات تقترب عادة من الاكتمال لدى الشخص السليم.
وكشفت التحاليل كذلك انخفاضاً في الخلايا اللمفاوية CD4 لدى 86.7 في المائة من الحالات التي توفرت عنها بيانات مناعية كاملة. غير أن الباحثين نبهوا إلى أن وجود عدد طبيعي من هذه الخلايا لدى بعض الأطفال لا يستبعد المرض، ما يجعل فحص HLA-DR مؤشراً أكثر حسماً عند الاشتباه السريري.
وخضع 35 مريضاً فقط للفحص الجيني بسبب القيود التقنية والمالية. وحملت 34 حالة منهم، أي 97.1 في المائة من المفحوصين جينياً، الحذف الوراثي نفسه داخل جين RFXANK، بينما حمل مريض واحد طفرة مختلفة في جين CIITA.
ويرى الباحثون أن التركز الكبير للطفرة نفسها يعكس ما يسمى «أثر المؤسس»، أي انتقال تغير وراثي قديم داخل مجموعات سكانية عبر أجيال متعاقبة. وهذه الطفرة معروفة أيضاً في بلدان أخرى من شمال إفريقيا.
وسُجل زواج الأقارب لدى آباء 47 مريضاً، بما يمثل 87 في المائة من الحالات. وينتقل المرض بطريقة وراثية متنحية، ما يعني أن الأب والأم قد يكونان سليمين ظاهرياً، لكن كلاً منهما يحمل نسخة متغيرة من الجين، ويرث الطفل النسختين معاً.
ولا تعني هذه النسبة أن زواج الأقارب يؤدي حتماً إلى المرض، لكنها تدفع الباحثين إلى الدعوة لإجراء فحوص جينية موجهة داخل الأسر التي سجلت سابقاً طفلاً مصاباً، بهدف اكتشاف الحالات قبل ظهور المضاعفات وتقديم الاستشارة الوراثية للوالدين.
وتلقى المرضى الغلوبولين المناعي عبر الوريد وأدوية وقائية ضد العدوى بحسب حاجتهم الطبية، غير أن هذه العلاجات تساعد على الحد من الالتهابات ولا تصحح أصل الخلل الوراثي.
ويظل زرع الخلايا الجذعية المكونة للدم العلاج الوحيد القادر على إعادة بناء الوظيفة المناعية. لكن ثمانية مرضى فقط من أصل 54 خضعوا للعملية، أي 14.8 في المائة من أفراد المجموعة المدروسة. وكان خمسة منهم ما يزالون على قيد الحياة عند آخر متابعة، مقابل وفاة ثلاثة نتيجة التهابات شديدة.
وفي الحالات التي توفرت عنها تواريخ دقيقة، بلغ متوسط المدة بين التشخيص وإجراء أول عملية زرع 37.5 شهراً، بينما يشدد الباحثون على أن فرص النجاح تتحسن عندما تُجرى العملية مبكراً، قبل تراكم الالتهابات والأضرار الرئوية وسوء التغذية.
وبصورة إجمالية، توفي 36 مريضاً من أصل 54، أي 66.7 في المائة، بينما كان 15 على قيد الحياة عند آخر متابعة، وفُقد الاتصال بثلاث حالات. ولا يمثل هذا الرقم معدل الوفاة بين جميع المصابين في المغرب، بل حصيلة المجموعة التي وصلت إلى المركز المرجعي خلال 26 سنة.
كما ينبغي تفسير هذه النسبة بحذر، لأن الدراسة استعادية ومنجزة في مركز واحد، وقد تكون الحالات الأكثر خطورة أكثر احتمالاً للإحالة إليه. وتغيرت خلال فترة الدراسة الطويلة وسائل التشخيص والعلاج وإمكانات زرع الخلايا، فيما لم تتوفر التحاليل الجينية لجميع المرضى.
وتكشف الدراسة أن المشكلة لا تكمن في ندرة المرض وحدها، بل في صعوبة التعرف عليه. فالأعراض الأولى، مثل الالتهاب الرئوي والإسهال والفطريات الفموية وضعف النمو، قد تُعالج كل واحدة منها بصورة منفصلة، من دون الانتباه إلى احتمال وجود خلل مناعي يجمعها.
وبالنسبة إلى طنجة وشمال المغرب، لا تسمح الدراسة بالحديث عن انتشار محلي أو عدد محدد من المصابين، رغم مشاركة طبيبين من المركز الاستشفائي الجامعي بطنجة في إنجازها. لكن الزاوية المحلية التي تفتحها ترتبط بمسار التشخيص: هل يمكن إجراء فحص HLA-DR والتحليل الجيني الموجه داخل مستشفيات الشمال؟ وكم تستغرق إحالة الطفل المشتبه في حالته إلى المركز المرجعي؟ وما فرص وصوله إلى عملية الزرع قبل حدوث أضرار دائمة؟
وتوصي الدراسة برفع وعي أطباء الأطفال بالعلامات التي تستدعي فحص المناعة، وتوسيع الوصول إلى قياس التدفق الخلوي والتحاليل الجينية، وإعطاء الأولوية لفحص إخوة المرضى والأسر ذات الخطورة المرتفعة، إلى جانب تحسين مسارات الإحالة والوصول إلى زرع الخلايا الجذعية.
وتوضح النتائج أن الأشهر الثلاثة عشر الفاصلة بين بداية الأعراض والتشخيص ليست مجرد مدة إدارية، بل مرحلة قد تحدد ما إذا كان الطفل سيصل إلى العلاج في الوقت المناسب، أو بعد أن تكون الالتهابات قد خلفت أضراراً يصعب تداركها.







