يستعد مجمع طنجة المتوسط، لإضافة ميناء ثالث إلى بنياته، بهدف رفع قدرته الاستيعابية وتعزيز موقعه في التجارة البحرية الدولية.
لكن هذا التوسع يطرح تساؤلات تنموية تتجاوز حركة السفن، وتتعلق بمدى انعكاس هذه الاستثمارات الكبرى على السكان المحليين.
فرغم انطلاق تشغيل المركب المينائي منذ سنة 2007 في إقليم الفحص أنجرة، لا تزال البيانات الرسمية تكشف عن استمرار فجوات واضحة في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، رغم التحولات الاقتصادية التي عرفتها المنطقة خلال نحو عقدين.
توسعة الميناء والبعد الاجتماعي
وسيقام ميناء “طنجة المتوسط 3” غرب الميناء الثاني، بطول 1200 متر من الأرصفة وطاقة استيعابية إضافية تصل إلى 4.5 ملايين حاوية سنويا، وباستثمار يناهز 8 مليارات درهم.
وتستهدف هذه الاستثمارات، التي تتضمن توقيع عقد امتياز مع مجموعة “ميرسك-إيه بي إم” لتطوير المحطة الجديدة، رفع الطاقة الاستيعابية الإجمالية للمجمع إلى 20 مليون حاوية سنويا.
ويأتي ذلك بعدما سجل الميناء حركة تجاوزت 11.1 مليون حاوية خلال سنة 2025، بارتفاع قدره 8.4 بالمائة عن السنة السابقة.
وفي موازاة هذه الطموحات الاقتصادية، أعاد الملك محمد السادس البعد الاجتماعي إلى واجهة الأولويات خلال جلسة عمل ترأسها، الأربعاء 28 أكتوبر 2026، في العاصمة الرباط.
وشدد ملك البلاد، بحسب بلاغ للديوان الملكي، على ضرورة “أن يستفيد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع كافة الأقاليم المعنية، وأن تعود بالنفع على الساكنة المحلية”. كما دعا إلى تسريع برامج التكوين المهني لتسهيل إدماج الشباب في الأنشطة الاقتصادية الناشئة.
وتكتسب هذه التوجيهات أهميتها من الواقع التنموي في إقليم الفحص أنجرة، حيث تتجاور منشآت مينائية وصناعية ضخمة مع جماعات قروية تظهر مؤشراتها الاجتماعية تفاوتات واضحة مقارنة بالمجال الحضري المجاور لطنجة.
اقتصاد قوي ومؤشرات اجتماعية ضعيفة
في هذا السياق، تكشف تقارير المندوبية السامية للتخطيط، الصادرة في دجنبر 2025 استنادا إلى نتائج إحصاء 2024، أن 96 بالمائة من سكان إقليم الفحص أنجرة، البالغ عددهم نحو 100 ألف نسمة، يعيشون في الوسط القروي.
ورغم انخفاض معدل الفقر متعدد الأبعاد في الإقليم من 20.4 بالمائة سنة 2014 إلى 8 بالمائة سنة 2024، فإنه يظل أعلى من نظيره بعمالة طنجة أصيلة المجاورة، حيث لم يتجاوز 3.1 بالمائة.
وتبرز الفجوة بشكل أكبر في قطاع الصحة. ففي سنة 2024، لم يتجاوز عدد الأطباء في الإقليم 11 طبيبا، بمعدل طبيب واحد لكل 9163 نسمة، مقابل طبيب لكل 767 نسمة في طنجة أصيلة.
كما سجلت الخريطة الصحية غياب أي سرير استشفائي في المستشفيات العمومية أو المصحات الخاصة بالإقليم.
ولا تقتصر هذه الفوارق على الخدمات الصحية، إذ تمتد إلى التجهيزات الأساسية والتعليم. فقد بلغت نسبة الأسر القروية المرتبطة بشبكة الماء الصالح للشرب 45.1 بالمائة في الفحص أنجرة، مقارنة بـ73.2 بالمائة في الوسط القروي لطنجة أصيلة.
أما في التعليم، فقد بلغت نسبة الأمية 26.2 بالمائة في الفحص أنجرة، مقابل 15.2 بالمائة بطنجة أصيلة، ما يعكس استمرار تفاوتات اجتماعية بين الإقليمين، رغم القرب الجغرافي والتحولات الاقتصادية التي عرفتها المنطقة.
وتبرز هذه المؤشرات مفارقة تنموية تتعلق بمدى انعكاس القوة الاقتصادية للمركب المينائي على ظروف عيش السكان في محيطه، خصوصا في المجالات التي ترتبط مباشرة بجودة الحياة والخدمات الأساسية.
مبادرات الإدماج وتحديات التنمية
وفي المقابل، تنفذ مجموعة طنجة المتوسط برامج اجتماعية عبر مؤسستها، تستهدف دعم السكان المحليين وتحسين فرص الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
وتظهر بيانات سنة 2025 استفادة 2400 شاب من الإقليم من خدمات منصة للمواكبة والإدماج المهني، بمعدل إدماج بلغ 17 بالمائة. كما استكملت المؤسسة ربط 2500 أسرة في 25 دوارا بشبكة الماء الصالح للشرب.
وتعكس هذه المبادرات جهودا لربط النشاط الاقتصادي للميناء بحاجيات محيطه الاجتماعي، لكنها تطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول مدى تكاملها مع الاستثمارات العمومية الموجهة إلى تعميم الخدمات الأساسية وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
ومع مشروع “طنجة المتوسط 3″، تتسع فرص تطوير الأنشطة اللوجستية والصناعية والخدمات المرتبطة بها، بما يتيح إمكانات إضافية للتشغيل والتكوين واندماج المقاولات المحلية في الدورة الاقتصادية للميناء.
غير أن تحويل هذه الفرص إلى مكاسب اجتماعية يرتبط بمدى قدرة البرامج المعنية على تأهيل الشباب المحليين، وتيسير ولوجهم إلى فرص العمل، ومواكبة التوسع الاقتصادي باستثمارات في الصحة والتعليم والماء والتجهيزات الأساسية.
وفي هذا السياق، تكتسب دعوة الملك محمد السادس إلى استفادة السكان المحليين من عائدات المشاريع المينائية بعدا خاصا بالنسبة إلى الفحص أنجرة، حيث تبرز الحاجة إلى توسيع الأثر التنموي للمجمع المينائي ليشمل مختلف الجماعات المحيطة به.
وبينما يستعد طنجة المتوسط لرفع قدرته الاستيعابية إلى 20 مليون حاوية سنويا، يتجدد الاهتمام بمدى انعكاس هذا النمو الاقتصادي على المؤشرات الاجتماعية للإقليم، ومدى مساهمة الاستثمارات الجديدة في تقليص الفوارق التي ترصدها البيانات الرسمية، انسجاما مع التوجيهات الملكية التي وضعت استفادة السكان المحليين في صلب أهداف المشاريع المينائية الكبرى.







