لم يكن قد أتم عامه الأربعين بعد، لكنه كان قد اختبر ارتداء قبعات عدة؛ من باحث يغوص في تعقيدات القانون الدولي، إلى تاجر محنك، وصولا إلى سياسي شاب وجد نفسه في قلب التسيير المحلي لمدينة معقدة بحجم طنجة.
عندما توقف مسار نور الدين شنكاشي صباح الثلاثاء في العاصمة البريطانية لندن، بعد معاناة قاسية مع المرض أبعدته لأشهر عن واجهة الأحداث، لم تودع طنجة مجرد نائب لرئيس مجلسها الجماعي، بل فقدت أحد أبرز وجوه جيل سياسي صاعد أفرزته تحولات ما بعد انتخابات 2021.
تبدأ حكاية شنكاشي، الذي رحل عن 38 عاما، من أزقة حي “الإدريسية” الشعبي بمقاطعة “مغوغة”. هناك، حيث تتلاحق التحولات العمرانية والديمغرافية، تشكلت شخصيته.
ظل الشاب الذي أبصر النور عام 1988 وفيا لجذوره، قريبا من محيطه الاجتماعي، ومحتفظاً بتلك الابتسامة البشوشة التي يصفه بها عارفوه، حتى بعد أن قادته طموحاته إلى كراسي المسؤولية.
طوال أكثر من عقد، سلك شنكاشي مسارا أكاديميا هادئا، تدرج فيه من دراسة الآداب العصرية إلى التعمق في القانون. وفي يوليوز 2018، توج هذا المسار بنيل الدكتوراه في القانون الخاص من جامعة عبد المالك السعدي عن أطروحة حول “الإنابة القضائية الدولية”. غير أن الباحث الأكاديمي، الذي كان يدير نشاطا تجاريا عائليا، سرعان ما وجد نفسه مدفوعا نحو معترك الشأن العام.
وكانت انتخابات شتنبر 2021 بمثابة نقطة التحول الكبرى في حياته. فباسم “حزب الاستقلال”، قاد لائحة شبابية في مقاطعته الأم “مغوغة”، متصديا لأسماء انتخابية ذات باع طويل.
ولم يكتفِ بانتزاع موطئ قدم في المؤسسات المنتخبة، بل صعد سريعا ليصبح النائب الثاني لعمدة المدينة ضمن تحالف سياسي واسع.
في كواليس التدبير الجماعي، لم تكن المهام الموكلة إليه بروتوكولية. فقد وُضع الشاب أمام اختبارات حقيقية حين أُسند إليه الإشراف على سوق الجملة للخضر والفواكه، وهو مرفق تتشابك فيه المصالح الاقتصادية العميقة مع المطالب اليومية للتجار.
كما كُلف بقطاع الرياضة وبصلاحيات التوقيع في ملفات التعمير الحساسة، لينتقل فجأة من موقع المرشح الحالم إلى كرسي المسؤول المُطالَب بإيجاد الحلول.
ولم يكن الشأن الرياضي غريبا عليه؛ إذ سبق أن خاض تجربة شاقة حين تحمل مسؤولية ضمن لجنة إنقاذ نادي “اتحاد طنجة” لكرة القدم خلال واحدة من أصعب أزماته المالية والإدارية خريف 2021.
وبموازاة انخراطه في مبادرات التضامن الاجتماعي، كإغاثة متضرري زلزال الحوز، عزز موقعه الحزبي بانتخابه في ماي 2025 كاتبا لفرع حزبه في مقاطعة “مغوغة”، تتويجا لمسار محلي نال عنه “جائزة التميز التعادلي” من قيادة الحزب.
لكن هذا المسار المتسارع، الذي كان يُبنى على أكثر من واجهة، اصطدم فجأة بمنعطف صحي مؤلم خلال عام 2026. فتراجع حضور الشاب البشوش، وبدأت رحلات العلاج بين مستشفيات أوروبا، تاركا خلفه فراغا سياسيا وموجة من القلق والتضامن في أوساط رفاقه.
برحيله المبكر في منفاه الطبي بلندن، تُطوى صفحة سياسي شاب اجتمعت في شخصه صفات “ابن البلد”، والباحث، والمدبر، لتترك مساره مفتوحا على سؤال قاسٍ: ماذا كان ليحقق لو أسعفه العمر؟







