تحولت ملاحظات المواطنين بشأن تراكم النفايات وتراجع مستوى النظافة في عدد من أحياء طنجة إلى موضوع محاسبة مباشرة داخل الجماعة، بعدما وجه رئيس مجلسها منير ليموري انتقادات حادة إلى شركات التدبير المفوض ومصالح المراقبة، فيما أقر نائبه محمد غيلان الغزواني بتسرب التراخي إلى القطاع، داعيا إلى برنامج صيفي استباقي يضع حدا للتدخلات المرتجلة.
وخلال اجتماع ترأسه بحضور غيلان الغزواني، رفع ليموري سقف المواجهة مع الشركات المفوض لها، معلنا انتهاء مرحلة التساهل مع النقط السوداء والشوارع التي تظل فيها النفايات لساعات طويلة، رغم العقود والموارد البشرية والآليات المرصودة لضمان جمع منتظم وتنظيف شامل للمدينة.
وبدا خطاب رئيس الجماعة أقرب إلى جلسة مكاشفة داخلية منه إلى اجتماع تقني اعتيادي، إذ وضع الشركات والمصالح الجماعية المكلفة بالتتبع في دائرة المسؤولية نفسها، رافضا تعليق ضعف النظافة على سلوك المواطنين أو تقديم الأعذار لتبرير بقاء النفايات في الشوارع.
وقال ليموري إن المواطن أصبح قادرا على تصوير أي اختلال ونشره فور وقوعه، معتبرا أن زمن إخفاء التجاوزات انتهى بعدما تحولت الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي إلى وسيلة رقابة يومية تكشف وضع الأحياء قبل وصول تقارير الشركات والمراقبين.
وأضاف أن الصور والمقاطع المتداولة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد انتقادات عابرة، لأنها ترصد واقعا ميدانيا وتضع الجماعة أمام مسؤوليتها في التحقق من كل ملاحظة ومطالبة الشركات بالتدخل.
ولم يعف رئيس الجماعة جهازه الإداري من المسؤولية، حين أقر بوجود نقص في التتبع وغياب للمراقبة الميدانية بالمستوى المطلوب، قائلا بوضوح إن المرفق لم يخضع للرقابة اليومية التي يفترض أن ترافق تنفيذ العقود.
ويكتسي هذا الإقرار حساسية خاصة، لأن جماعة طنجة تؤدي نحو 298 مليون درهم سنويا مقابل عقدي التدبير المفوض اللذين صودق عليهما سنة 2021، بزيادة بلغت 70 في المئة مقارنة بالعقد السابق الذي لم تتجاوز قيمته 170 مليون درهم.
ويمتد العقدان سبع سنوات، من فاتح ماي 2021 إلى 30 أبريل 2028، وتتولى بموجبهما شركتا “ميكومار” و”أرما” تدبير منطقتي طنجة الغربية والشرقية.
وتضمنت العقود استثمارات في أسطول جمع النفايات والكنس اليدوي والميكانيكي، وبرامج معلوماتية خاصة بالاستغلال والتتبع، إلى جانب أنظمة ذكية لمراقبة مواقع الحاويات ومستوى امتلائها، ما يجعل استمرار النقط السوداء امتحانا مباشرا لجدوى الوسائل التي رفعت كلفة القطاع بنحو 128 مليون درهم سنويا.
واعتبر ليموري أن رفع النفايات الظاهرة من نقطة واحدة وترك محيطها متسخا لا يمثل خدمة مقبولة، مطالبا بعمليات تنظيف شاملة ومتكررة لا تتوقف عند جمع الأكياس والحاويات، بل تمتد إلى المكان كاملا.
ورفض تحميل المواطن مسؤولية جمع النفايات أو تقديم سلوكه مبررا لتراجع أداء الشركات، مؤكدا أن الجماعة تؤدي المقابل المالي حتى تجمع الأزبال بصورة منتظمة، وأن أخطاء بعض السكان لا تمنح المتعهدين حق ترك الشوارع في وضع متدهور.
وقال إن إعادة رمي النفايات بعد تنظيف المكان تستوجب العودة إلى تنظيفه في اليوم التالي ومواصلة التدخل والتحسيس، بدلا من استخدام السلوكيات المخالفة ذريعة للتراجع عن الخدمة التي تلتزم الشركات بتقديمها.
وحذر رئيس الجماعة من أن المرحلة المقبلة ستشهد مراقبة صارمة وعدم التساهل مع استمرار النفايات حتى في نقطة واحدة، مستندا إلى مشاهد عاينها داخل أزقة وشوارع ظلت فيها الأزبال طوال اليوم، ووصف بعضها بـ«الكارثة» و«العار».
كما انتقد الفرق بين العناية التي تحظى بها بعض الواجهات والمحاور الكبرى وبين الوضع داخل مناطق أخرى، قائلا إن طنجة تستقبل إشادات من زوارها، بينما تظل أحياء وأزقة داخلية في حالة لا تعكس الصورة التي تقدمها المدينة عن نفسها.
ويأتي هذا التشدد في وقت ارتفعت فيه كمية النفايات المجمعة بطنجة من أكثر من 390 ألف طن سنة 2023 إلى نحو 451 ألف طن خلال 2024، بزيادة تجاوزت 60 ألف طن في عام واحد، مع تسجيل ارتفاعات أوضح خلال أشهر الصيف.
وتعبئ شركتا التدبير المفوض أكثر من 1650 مستخدما ونحو 391 آلية لمواجهة هذا الحجم المتصاعد من النفايات، وهو ما يضيق مساحة الأعذار المرتبطة بنقص الإمكانيات، ويضع الخلل أساسا في انتشار الفرق وبرمجة الدوريات وسرعة التدخل وصرامة المراقبة الجماعية.
ومن جانبه، أقر محمد غيلان الغزواني بتسجيل تراخ في تدبير القطاع، داعيا الشركات إلى التعامل مع الموسم الصيفي باعتباره مرحلة استثنائية تحتاج إلى خطة مستقلة، لا امتداداً عادياً للبرامج المعتمدة خلال باقي السنة.
وطالب نائب رئيس الجماعة بإعداد برنامج صيفي استباقي ومحكم، يشبه في دقته وترتيباته البرامج الخاصة بالدخول المدرسي، ويحدد مسبقا حاجيات كل منطقة من العمال والآليات ومواعيد الجمع والكنس، بدل انتظار امتلاء الحاويات وتراكم النفايات قبل إطلاق التدخلات.
وشدد غيلان على حساسية فصل الصيف بالنسبة إلى طنجة، التي تعرف ارتفاعا كبيرا في عدد السكان مع عودة مغاربة العالم وتوافد السياح وارتفاع الإشغال داخل الفنادق، إلى جانب توالي المؤتمرات والتظاهرات والأنشطة التي تبقي المدينة تحت ضغط متواصل.
واعتبر أن هذا الارتفاع الموسمي يرفع تلقائيا كمية النفايات المنتجة، ما يفرض على الشركات تعديل برامجها وتقوية حضورها الميداني، لأن الضغط الصيفي متوقع سلفا ولا يمكن تقديمه كل عام باعتباره ظرفا مفاجئا يبرر تراجع الخدمة.
وقال إن أي قصور في النظافة ينعكس على الصورة العامة لطنجة، ولا يبقى محصورا في الشارع أو الحي الذي تظهر فيه النفايات، خصوصا أن المدينة لا تعرف خلال الصيف فترات هدوء تسمح بتأجيل التدخل أو تقليص وتيرته.
وأكد غيلان أن العلاقة مع الشركات تتجاوز الإطار التعاقدي الجامد إلى شراكة يرتبط نجاحها بنجاح الجماعة والمدينة، غير أن هذا المنطق لا يلغي واجب المتعهدين في احترام التزاماتهم، ولا يعفي المجلس من ممارسة رقابة فعلية على جودة ما يحصل عليه مقابل الكلفة السنوية للقطاع.







